****
كان لي صديق وصديقة في الجامعة ربما كان يجدر أن يتبادلا أسماؤهما. فقد كان اسمه قمر، وكان اسمها جمال.
سأتحدث اليوم عن قمر وأترك جمال ليوم آخر.
-*-*-
كان قمر كما نقول بالعاميّة: (شخصيّة) أو "كاركتر" character. ولكن ليس بالمعنى السلبي. كانت سماته غريبة شيئا ما ولكنها محببة وتدفعك بالمحصلة النهائية بعد أن تبتسم على طرافة بعض أفعاله وتعبيراته على احترامه بل وحتى ربما أن تعتبره بطلك الشخصي الذي تعجب به وتقتفي خطواته.
كان قد درس البكالوريوس في جامعة اليرموك، ثم انتقل للماجستير في الأردنية. كان لا يولي مظهره أهمية كبرى. ملابسه فوضويّة مع نظارات سميكة، وشعر أجعد وقوام أميل للقصر والسُمنة. ومصطلحات غريبة يكررها على نحو لافت؛ فلكي يعبّر إعجابه بك يستخدم مصطلح مثل "والله إنّك جزّار".
كان من القيادات الطلابية لا على مستوى الجامعة وحسب، بل وعلى مستوى الجامعات والكليّات والمعاهد. كان يكبرني بأعوام، لكن ذلك لم يمنع تطور صداقتنا. وسمح فارق السن بأن أنظر له دائما على أنّه صاحب تجارب فريدة لا تخلو من الطرائف والبطولة في آن. فيما أصبح هو يعتمد عليّ كثيرا في كل ما يحتاجه العمل الطلابي من كتابة وتحرير وبحث. فإذا أراد تأسيس نادي جديد في الجامعة، أوكل لي مهمة كتابة النظام الأساسي. وشيئا فشيئا تحولت لأشبه بالمستشار له.
كما أنّ شقا طريفا من صداقتنا كان يتمثل في أسئلته الدينية المتواصلة، فقربي من فكر "الصحوة الإسلامية" حينها، جعله يصر على تسميتي بالشيخ، وعلى مواصلة طرح أسئلته الدينية، التي كانت تعكس قلقا إيمانيّا لديه. فرغم أنّه لم يكن يساريّا أو شيوعيّا. فإنّ أسئلته كانت تعكس عدم قدرته على التسليم بكثير من المقولات الدينية. منها مثلا عندما جاء يسألني، لماذا قالوا لنا في المدرسة أنّه لا يمكن أن يعلم أحد ما بالأرحام، ها هم أصبحوا يعرفون، حتى قبل أن تدخل النطفة الرحم؟! وكان لزاما أن أقف موقف المدافع. كانت جلساتنا متكررة ودون مواعيد في الجامعة، على كرسي بين برج الساعة وكافتيريا الصالة الأموية قبالة "السكوير" (وكانت تعرف أيامنا باسم الملك بار Milk Bar)، ولا أعرف إن احتفظت بالاسم الآن.
في يوم من أيام انتفاضة 1987 دخلتُ الجامعة فوجدت أنّ مسيرة للإخوان المسلمين قد بدأت احتجاجا على مجزرة في فلسطين (ربما كان مجزرة عيون قارة أومجزرة أخرى عام 1989، أو وهذا على الأغلب مجرزة الأقصى 1990). انضممت للمسيرة سريعا. وكانت تنطلق من غرب الجامعة (الآداب) إلى شرقها (كلية الطب). وعندما وصلنا منتصف الجامعة قرب العلوم فوجئت بمسيرة أخرى بالاتجاه المعاكس، للفصائل الوطنية واليسارية. فاجأني أنّ المسيرة كبيرة. أكبر مما اعتقدتُ أنّ هذه الفصائل قادرة على جمعه، مع أنّها لا زالت أصغر بنحو النصف من مسيرة الإخوان.
بعد قليل انتهت مسيرة الإخوان…فأسرعت لمسيرة الفصائل…(وبعد ظهر ذلك اليوم اتجهت مع المشاركين في المسيرتين في مسيرة اعتصام مشترك أمام مجمع النقابات..).
في مسيرة الفصائل كانت تيارات مختلفة ممثلة. وكعادة الفصائل تتعدد كلماتهم وخطبهم وتصبح مملة لأن كل مجموعة تريد كلمتها. بعكس الإخوان أصحاب الكلمة الواحدة، التي قد تزيد بأخرى يلقيها أحد دكاترة الجامعة المشايخ.
كان مشهد قمر مضحكا - لي على الأقل. فقد كان اصبع قدمه مجروح لذا يرتدي "شبشب"يكاد لا يثبت في قدمه، ولكنه لا يتراجع عن الخطابة بص
المزيد