لن نتورع عن ذاك الجمال
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 8 تشرين الثاني 2009 الساعة: 03:45 ص
في تعليقها على تدويني الأخير قوس العنفوان…دبكة وعمل وسياسة وجمال ، قالت نور:
"كانت ستي تحدثنا عن ملابسهن أيام البلاد وجمال ألوانها وارتفاع أثمانها وعن الجوارب الحريرية التي كانت تذهب لشرائها من القدس حيث أجمل الثياب وأغلاها..
كانت أمي “آخر العنقود” ترافق جدتي في مشاويرها تلك، وكانت ترى اهتمام التجار بصبايا ونساء بيت لحم اللاتي كان يضرب بهن وبنات حيفا المثل في الجمال! وكانت تختار دائما ما غلي ثمنه وفاق جماله الوصف من الثياب والمطرزات..
قطعة من هذه جميعا لم تحملها جدتي ولا أمي عندما هُجرتا في الـ (67)، ظن الجميع بأنهم عائدون بعد أيام قلائل..
إلى اليوم تحن أمي لبيت سيدي الكبير، وحوش الدار، وملابسها الجميلة، واللعب في ساحة الكنيسة..
لم أحظ مثلك بزيارة ترد روحي التي ترفرف هناك إلى جسدي.. وتطفيء جذوة الشوق في أعماقي.. ولكني مثلك متأكدة من يوم نرفع فيه جميعاً علم فلسطين في سماء فلسطين.."
ذكرتني هذه الملاحظة أنّه بموازاة دهشة الطفولة بذلك الطَقس السنوي الذي مارسه جدي بشرائه ملابسنا من محل الحرباوي خارج أسوار القدس القديمة، كنت أتابع بصمت وتذوّق نقاشات جدتي مع أبي عندما كانت تأتي لزيارتنا في عمّان، كانا يتناقشان حول قطعة القماش السوداء الأنيقة التي تريدها، لتحيك منها ثوبا مطرز، بتلك الخيوط الحمراء والبيضاء وربما الذهبية. فالثوب المقدسي قطعة فنيّة يستحق أن تعد لها كثيرا. فقد كانا يذهبان إلى السوق ويجولان ما يكفي لشراء القطعة المختارة، وإن لم يجدا ما يرضي لن يشتريا. كانت جدتي كفنان إن لم تجد الإلهام الكافي والقناعة لا ترسم لوحتها.
هذا ذاته ما يرويه فيصل الحوراني، الذي تحدثت سابقا عن ما رواه عن جوع عائلته الشديد إثر النكبة، ولكنه تحدث كيف أنّ حاجات أخرى قد تعطى لها أولوية رغم أنّها تبدو كماليّة، ولكنها ترتبط على ما يبدو بنظرة الإنسان لنفسه وبهويته الشخصية الخاصة. فيروي أنّ جدته التي كان اسمها مدللة، والتي لم تؤد النكبة إلى أن تغفر لزوجها زواجه من أخرى، بقيت غاضبة متحفظة حتى عندما استقر الأمر بها في بيت "ضرتها" في دمشق. فيروي كيف كان لاهتمامها بملابسها أولوية عالية، فما أن وُجَدت بعض النقود عندما عمل أفراد من العائلة في التدريس، حتى سعت لشيء خاص بها. تماما كما أنّ لضرتها أم عدنان اهتمامتها ومطالبها، فيقول فيصل: "وجدتي مدللة، التي هي بطبعها وبحكم الوضع التي رسمته لنفسها، غير متطلبة، كلّفت الأسرة نفقة ما كان بالإمكان الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال. فتمسك الجدّة بالزي الذي ألفته في القرية، وإصرارها على أنّ تبدو، دائما، بمظهر لائق، وتعذّر الحصول على هذا الزّي في مشق، اقتضت إنفاق بعض المال، بين وقت وآخر لاستقدام هذا الهِدم أو ذاك من الضفة الغربية. وأم عدنان التي تحولت شكواها من سوء الأحوال إلى احتجاج مزمن استخلصت لنفسها بعد أن توفر الدخل النقدي عددًا من الامتيازات التي تلائم سيدة مدينية مثلها، فقد زادت عنايتها بهندامها، وأخذت تحصل على متطلبات الزينة وزيارة الحلاقة وتصفيف الشعر على الموضة، واستأنفت تقليد استقبال الزائرات في أوقات محددة وتقديم الضيافة الملائمة".
ملابسنا نضال ومحبة. وثوب الزفاف أيضا يتحول لأداة نضالية. فيكتب صديقي عبدالغني سلامة في مخطوطه عن النضال المدني في بلعين (الذي أرجو أن يظهر قريبا للنور):
واستعملت "بلعين" أيضا السعادة كسلاح في وجه المحتل: إيمان ومنصور فلسطينيان من الناشطين ضد الجدار تعارفا خلال المسيرات التضامنية ثم قررا الزواج ولكن بطريقة مختلقة. ولأن أسعد لحظات حياة الزوجين هي لحظة ارتباطهما معا، فقد قررا أن تكون هذه اللحظات في مكان وزمان مختلفين لتكون سعادتهم غامرة لمن أحبهم وقاهرة لمن كرههم، وأقيم العرس قرب الجدار للتعبير عن الإصرار على الحياة، ونُظّمت زفة العروسين من وسط القرية وانطلقت بمشاركة الأهالي وحضور حوالي 300 متضامن أجنبي باتجاه الجدار وهم يغنون أغاني العرس الفلسطيني التقليدي، وحمل بعض المشاركين في الزفة الأعلام الفلسطينية فيما وَضَعَت العروس فوق فستانها الأبيض علما فلسطينيا وسارت أمام المتظاهرين إلى جانب عريسها منصور، وما أن اقتربت الزفة من الجدار حتى واجهتهم أعداد كبيرة من الجنود الإسرائيليين الذين منعوهم من الاقتراب من الجدار ثم قاموا بإطلاق كثيف للغاز المسيل للدموع والأعيرة المطاطية، وقال العريس منصور لوكالة فرانس برس "أردنا من حفل الزفاف هذا أن نرسل رسالة إلى العالم مفادها بأننا شعب يبحث عن الحياة رغم الجدار والحصار".
بعد وفاة جدتي صرت في زياراتي إلى عمان وفلسطين أتابع جهود عماتي وأمي لإعادة ترميم أثواب جدتي والحفاظ عليها…فالثوب الفلسطيني باعتباره لوحة فنية ميراث يورّث وكأي لوحة تجري عمليات ترميم وإصلاح له لأنّه شيء يبقى ويعيش ويشارك في ذاكرتنا..هناك شعوب أخرى لديها مثل هذا الشغف بجمال الملابس مثل الاسكتلنديين وبعض الهنود ..هي شعوب حية…
فلسطين سنحيك من نور السماء…من شمسها وقمرها شالا لعينيك…
وعندما تقوم الدولة المستقلة لن نتورع عن تنظيم عروض جمال لتلك الأثواب…وقد درست سيدات وآنسات ورجال عبقرية هذا الثوب…سيذهب الجندي الصهيوني أدراج الرياح…وسيصمت أولئك الذين يتحدثون عن مدى شرعيّة الثوب وهل هو حلال أم حرام؟!
مقالات ذات صلة: جدتي أم جميل… وفلسفة الابتسامة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أغاني شبابية, إنسانيات, فلسطين | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 8th, 2009 at 8 نوفمبر 2009 7:47 ص
أسعد الله صباحك الجميل أخي أحمد,
أعذرني عن أمس فكان يجب أن أتابع تعليقك على المدونة إلا أن يوم السبت عجقة و بعد نهاية مؤتمري يوم الجمعة, كنت في غاية الشوق إلى النوم باكرآ و لو لمرة واحدة كل سنة!
قرأت مقال اليوم و قرأت نعليقك بالأمس و تعليق الأخت نور و أقول إن للثوب الفلسطيني بهجة يدخلها إلى النفس ما بعدها بهجة.
صدقني أنه في الكثير من الأحيان يأتي جدات أطفالي المرضى معهم إلى العيادة و أول ما أعلق عليه عند باب العيادة هو الثوب الفلسطيني الجميل. إن الزخرفة التي به تتطلب ذوقآ رفيعآ و حس فني عالي. الألوان و تناسقها و دقة العمل تحبس الأنفاس و لا يستطيع الإنسان إلا أن يبدي إعجابه به. و أزيد أن العديد من نسائنا الفلسطينيات الميسورات الحال و قد و جدت ذلك في أكثر من مناسبة في منازلهم و عند إستقبال الضيوف, يرتدين الزي الفلسطيني التقليدي و ذلك يبين مدى إعتزاز نسائنا و حبهم لهذا الزي الفلسطيني الجميل.
عودة إلى مقال الأمس و القشعريرة التي أصابتك فليس لها تفسير إلا التالي:
فلسطين يا أبو عمر بالنسبة لي و لك و للشعب الفلسطيني هي الأرض و البلد و الإنتماء و الولاء و الإخلاص و الحب و العشق و الهواء و الماء و التراب. فلسطين ينبض القلب بها في كل نبضاته و كل خلايا الجسد تقول فلسطين. العقل لا يفكر إلا في فلسطين و القلب لا يعشق إلا فلسطين و الجسد يعمل لفلسطين ليل نهار. نأكل و نفكر في فلسطين و نشرب و نفكر في فلسطين و نصحو و نفكر في فلسطين و ننام و نحلم في فلسطين. الجد و الأب و نحن و الأبناء ليس لنا قول إلا فلسطين. فلسطين القرية و فلسطين المدينة, و فلسطين القدس و المقدسات و الخليل و نابلس و حيفا و يافا و عكا و صفد و غزة و طولكرم و رام الله…إنها فلسطين يا أبو عمر و لا تريد أن يقشعر أبداننا حين نذكرها و لا تمتلىء الأعين بالدموع…لن يقوى الجسد أن يتحمل أكثر من ذلك و لن يتحمل بعدآ عن فلسطين أكثر من ذلك ….نريد أن نعود و سنعود بإذن الله منصورين على عدونا و كما قال أبو عمار و قلت أمس سيرفع شبل من أشبال فلسطين العلم الفلسطيني على أسوار القدس و أرجو من الله أن أكون حيآ لأشهد هذا اليوم.
نوفمبر 8th, 2009 at 8 نوفمبر 2009 8:12 م
نساء بهذا الجمال، وأرض بهذا الجمال، يحقن لهن أن يرفلن بأثواب الجمال..
بحكم بعض العمل أقرأ هذه الأيام عن خصائص وزخارف الثوب الفلسطيني، إنها رحلة رائعة جعلتني أومن أكثر من أي وقت مضى أن الجمال يزداد جمالاً كلما ارتبط برائحة الأرض، ودفء الوطن، وطقوس الحب الأزلي الذي يشدنا إلى هذا الوطن.. الأسطورة…
شكراً لك
نوفمبر 9th, 2009 at 9 نوفمبر 2009 12:33 ص
عزيزي خالد
دائما تؤرقني فكرة كم هو الوطن أكثر كرما مني…وكم أني لا زلت وهو محتل آخذ منه…فها قد أعطاني أصدقاء وصديقات من أمثالك
عزيزتي نور
أنتظر أن أقرأ مما قرأت وبحثتِ عن الثوب - الأسطورة…