قوس العنفوان…دبكة وعمل وسياسة وجمال
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 7 تشرين الثاني 2009 الساعة: 05:55 ص
أعمل منذ ما قبل فجر اليوم على إتمام مهمة لأصدقاء يعدّون تقويما سنويا عن فلسطين، وطلبوا المساعدة في مدّهم بالمادة العلمية وترجمتها، وجدت نفسي أقرأ في كتاب دليل فلسطين، لمؤلفته مريم شاهين، وتصوير جورج عازار، والكتاب صدر أصلا بالانجليزية Palestine a .
Guide
أكثر ما استوقفني به الصور التي التقطت للحياة اليومية للناس.
لطالما استهواني في فلسطين، وتحديدا في قريتي القريبة من القدس، (العيزرية)، حب الناس للأناقة والمظهر الجميل. باغتني دائما المبالغ المالية التي يدفعونها لشراء ملابس جميلة.
علاقة بعضهم بالملابس كعلاقة عُشّاق الفن، أو ذوّاقَة القهوة.
أثناء طفولتنا كانت زيارتنا السنوية من وطننا شرق الأردن إلى وطننا غرب الأردن، عيد بهجة.
الاستيقاظ مبكرا في البيت الصغير (دار سيدي أحمد) المكونة من غرفتن بلا ممر بينهما، وبالمطبخ والحمّام في الخارج، وبلاطه المزخرف باللون الأحمر. وكنا نعثر على مصروفنا اليومي وضعه سيدي على الطاولة قبل مغادرته لعمله. كان سيدي على طيبته، نزق عصبي، وكانت ستي هي ضحية حنقه الدائم، الموروث من زمن اليتم، حيث نشأ يتيم الأب والأم، فيما نشأت هي في بيت تاريخي يزوره الناس من كل بقاع الأرض، بفضل عمل والدها في السياحة قيّما على قبر اليعازر – الذي أحياه المسيح بإذن الله - في قريتنا، وبفضل الخان (النُزُل) الذي أداره قرب القبر.
من تقاليد الزيارة السنوية، تلك الرحلة السنوية إلى شارع صلاح الدين في القدس، إلى محل ملابس الحرباوي الشهير، على مرمى حجر من باب العامود. كانت الأرضية الزجاجية على الرصيف تسحرني، كبلورة سحرية تخبرني قصص من تعاقبوا على هذا الشارع.
قرب ذلك الشارع كانت مكتبة عامة للقدس. وبما أني "أقتات" القراءة منذ تعلمتها، فكان لا بد عندما أذهب زيارة مدتها شهر كامل، وأنا لم أصل سن الثانية عشرة، أن أبحث عن كتاب، ولحل المشكلة اصطحبني قريب، لا أذكره تحديدا الآن، ولكنه على الأغلب أحد شباب العائلة الذين كانوا يعملون نادلين في فنادق القدس. اصطحبني لتلك المكتبة، وقمت بالاشتراك فيها، واستعرت كتاب "ألف ليلة وليلة"، ومضيت بقراءته بمواظبة، ورغم أني لم أصل معه درجة الإعجاب الشديد إلا أني استمتعت به، حتى أصبت بالصدمة بعد وأنا في تلك السن، وذلك بعد قراءة عشرات الصفحات فيه. فقد كان نسخة غير مراقبة، أو غير منقحة (لا أعرف)، فكانت النسخة الإباحية الصريحة! (إن جاز التعبير).
عودة لمحل ملابس الحرباوي، كانت هدية سيدي لنا، كل عام بنطلون وقميص فاخرين، كانا يبدوان لنا شيئا من الخيال، لأنهما دائما موضة جديدة، غير مألوفة – أو هكذا كنا نتخيل. وغالبا كان الحذاء من عمتي وكان أيضا حذاءا إيطاليا فاخرا جدا جدا جدا. وكثيرا ما يكون موضة لا تتكرر.
في مرة سألتُ ابنة عمتي عن ظاهرة الأناقة هذه. فضحكت وهي من الجيل الجديد، وتميل إلى المرح والعملية. وقالت: أولئك النسوة غريبات؛ الناس احتلال وحرب، وهن الواحدة لا تذهب لشرب قهوة الصباح عند جارتها التي تبعد 20 متر عنها إلا بكامل أناقتها، وبفستان مكوي وجديد!!
في كتاب مريم شاهين، فتيات ونساء سافرات ومحجبات بالملابس العصرية وأخرى التقليدية. فلاحات، وطالبات جامعات، وربّات بيوت ومتسوقات في الشوارع. ورجال وشباب يدبكون، ويقطفون الزيتون.
سأبقى في إطار الملابس والمظهر العام.
في السنوات أخيرة، تراجع هذا الاعتناء بالمظهر العام. وذلك بضغط الأوضاع المالية المتفاقمة السوء، بسبب الحصار والاستيطان والجدار والإغلاقات…
وتراجع كذلك لأن كثير من نمط الحياة اختلف…فالجدار والإغلاقات…جعل الحركة محصورة في عدة كيلومترات…مما أنهى الاحتفالية التي كانت تشيع في الأجواء لدى زيارة القدس…أو الذهاب في رحلة ما…
هذا فضلا عن العصبية وضيق النفس المتأتي عن الإغلاقات ونسب البطالة العالية…واكتظاظ المساكن…فبيت سيدي سالف الذكر…كان أمامه أرض مفتوحة جميلة…والآن بنى الجيران أصحاب الأرض بيوتا عشوائية فيها، ورفعوا أسوارا اسمنتية بشعة عالية فيها وابناء عمي اضطروا بفعل ضيق المساحة (أراضي جدنا الواسعة صودرت ضمن مستعمرة معاليه أدوميم)، إلى بناء غرف إضافية بطريقة عشوائية فرضتها الظروف. وطبعا في غياب تخطيط حضري للمدن والقرى، الكل يبني دون أن يترك مكانا للمرات والشوارع ومساحات التهوية…
في الجامعات كانت صور الدبكة، ومواسم قطاف الزيتون، حيث يعمل الطلاب والطالبات في كل موسم تطوعا أو كجزء من متطلبات التخرج…جزءا من حلمي عن فلسطين وجامعة بير زيت.
أذكر شابا من الإخوان المسلمين جاء ليتابع دراسته في الجامعة الأردنية، من جامعة بير زيت، بعد أن أقفلت بعد الانتفاضة…كيف كان يسخر من الطالبات اللاتي يذهبن للمساهمة في موسم القِطاف حيث يضطررن للنوم في منازل أصحاب الأراضي…وكان اعتراضه (الأقرب للمزاح) هو أنهن يهدرن الكثير من الماء والشامبو للاستحمام يوميا، مما يعد برأيه تكلفة مالية عالية على أصحاب البيت والشجر…
كانت صورة جميلة لي:
طلاب وطالبات، وزيتون وشجر وعمل تطوعي واجتماعي فيه قدر كبير من النضال بوجه الاحتلال، وسهر وسمر واستحمام ورائحة الصابون…
عمل ووطن وأرض وخصب وتحدي وجمال…= ثورة
كيف هو الوضع الآن؟ وكيف يمكن أن يعود؟!
قبل أعوام كتبت سحر خليفة عن عودتها لجامعة بير زيت، وكيف اختلف الوضع كثيرا…تتحدث عن سيادة نوع جديد من الفكر الديني…وتتحدث عن الانقسامات الفصائلية…وأضيف: طبقات جديدة من موظفي الفصائل والسلطة والمخابرات و…إلخ. ومدن ممنوعة بالحواجز…وأجواء من عدم الثقة وانعدام الرؤية…وتوهان وعزلة عن القدس..
ولكن أضواء القدس في آخر النفق…لا محال.
وفلسطين بلد الخصب لا محال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أغاني شبابية, إنسانيات, فلسطين | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 7th, 2009 at 7 نوفمبر 2009 10:51 ص
أسعد الله أوقاتك أخي أحمد
صدقني كل كلمة تخرج من عندك تدخل السرور و البهجة إلى قلبي
يعني توصيفك لوضع أهلنا في الداخل و خصوصآ البلدة القديمة في القدس يرسم إبتسامة تلقائية جميلة سببها السعادة التي تسببها مدينة القدس
أريد أن أضيف بعض النقاط التالية:
1) إن أهلنا في فلسطين عمومآ أناس لهم إتصال مباشر بالحضارة منذ القدم و واكبوا معظم التطورات الحاصلة في الغرب و الكتاب الذي حدثتك عنه في السابق “ما قبل الشات” أكبر دليل على ذلك.
2) بيت جدي موجود على بعد 60 مترآ من باب السلسلة و الذي يدخلك إلى حرم المسجد الأقصى. و هو كوصف بيت جدك تقريبآ. فيه غرفتين نوم مفصولين بساحة ليس لها سقف. إن المشي في أزقة البلدة القديمة و شرب الخروب من العجوز على الزاوية و أكل الكنافة إما من جعفر أو الجنيني هو من الطقوس اليومية لزيارة القدس. لم أذق في حياتي إلى الآن أطيب من طعم الخروب في القدس و لا أطيب من كنافة جعفر و لا أطيب من الكعك بسمسم في القدس. يا أخ أبو عمر, لا يوجد شيء يضاهي سحر مدينة القدس في كل شيء. و الله الجو رائع و حتى رائحة الهواء جميلة و الأزقة تنطق و تقول و تتحدث معك. طبعآ الحرم القدسي الشريف و الذهاب إليه هذا يتطلب مجلد لنتحدث عنه. يا جماعة و أنت في الحرم, تحس أنك في عالم آخر, في عالم لا يعلم به إلا الله. و إذا وصلت أسفل مسجد قبة الصخرة المشرفة و رأيت الصخرة التي يقال أنها لحقت بنبينا محمد عليه الصلاة و السلام و من ثم أمرها بالنزول تشعر أنك لست على الأرض. قدسية المكان حاضرة في كل زاوية في الحرم و أهمية المكان تتحدث بها كل صخرة في الحرم. أما الصلاة في المسجد الأقصى فهي غير الصلاة في كل المساجد عندي حتى الحرم المكي
3) الشعب الفلسطيني يحن دومآ إلى الذكريات و هذا شيء رائع و يجب التركيز عليه. لا تجد أي فلسطيني في العالم حتى لو هاجر إلى تشيلي منذ 50 سنة إلا و يذكر البيارة و البيت القديم و الطعام الذيذ و غيره من ذكريات فلسطين و التي ستبقى معنا حتى التحرير
أكتب أخي أحمد و أبدع فنحن بحاجة ماسة إلى أمثالك لزيادة إرتباطنا و علاقنا بأرضنا نحن و أولادنا و من يأتي بعدنا
تحياتي من عمان
نوفمبر 7th, 2009 at 7 نوفمبر 2009 11:08 ص
قشعريرة متواصلة أصابتني أخي خالد. ابتدأت بعد السطور الأوائل واستمرت حتى أنهبت نصك القادم من عمق غموض وسحر القدس…أنت النطاسي الذي قد يفسر مثل هذه القشعريرة المتواصلة…
لا أدري ربما كانت أحلام يقظة أو أوهام…ولكني أصر على أنّ الضوء يلوح في آخر وأن الشبل والزهرة يستعدان معا لرفع العلم…
نوفمبر 7th, 2009 at 7 نوفمبر 2009 7:35 م
كانت ستي تحدثنا عن ملابسهن أيام البلاد وجمال ألوانها وارتفاع أثمانها وعن الجوارب الحريرية التي كانت تذهب لشرائها من القدس حيث أجمل الثياب وأغلاها..
كانت أمي “آخر العنقود” ترافق جدتي في مشاويرها تلك، وكانت ترى اهتمام التجار بصبايا ونساء بيت لحم اللاتي كان يضرب بهن وبنات حيفا المثل في الجمال! وكانت تختار دائما ما غلي ثمنه وفاق جماله الوصف من الثياب والمطرزات..
قطعة من هذه جميعا لم تحملها جدتي ولا أمي عندما هُجرتا في ال (67)، ظن الجميع بأنهم عائدون بعد أيام قلائل..
إلى اليوم تحن أمي لبيت سيدي الكبير، وحوش الدار، وملابسها الجميلة، واللعب في ساحة الكنيسة..
لم أحظ مثلك بزيارة ترد روحي التي ترفرف هناك إلى جسدي.. وتطفيء جذوة الشوق في أعماقي.. ولكني مثلك متأكدة من يوم نرفع فيه جميعاً علم فلسطين في سماء فلسطين..
اكتب دائما فمن طهر قلمك تفوح رائحة الوطن
نوفمبر 8th, 2009 at 8 نوفمبر 2009 3:46 ص
[...] قوس العنفوان…دبكة وعمل و … [...]