هل تعرف المرأة العربية الكتابة؟

كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 4 تشرين الثاني 2009 الساعة: 14:12 م

من قرأ تدويني السابق عن خمس دقائق من الضياع يمكنه أن يفهم مزاجي اليوم (إن كان هذا مهما). المهم أنا أقفلت هاتفي منذ الأمس، وقضيت كثير من الأمور الشخصية المتأخرة. ثم تذكرت أغنية نجاة الصغيرة "لا تنتقد خجلي"، التي لحّنها كمال الطويل، وغضب منها لسبب ما، فاعتزلت الغناء في مصر بعد ذلك. وتذكرت أن كاتبة الكلمات هي سعاد الصباح، مما جعلني بالمثل أتذكر كتاب قرأته عام 2002 وكان له أثر في كثير من كتاباتي. وخرج الموضوع التالي أشرككم فيه.

 

هذا الموضوع من جزأين.

الجزء الأول ليس لي فيه إلا الإعجاب. والثاني، يحوم حول الأول، دون ان أربط بينهما، أو أقول شيئا. وليس لي أن أقول شيئا. ولست مؤهلا لأقول شيئا.

لمن يحب الاستماع للغناء أثناء القراءة، له أن يستمع للجزء الأول، مغنى، من ألحان كمال الطويل، وغناء نجاة الصغيرة (ومن لا يريد قراءة الشعر فليقفز للجزء الثاني).

الجزء الأول: قصيدة

تنتقد خجلي

الدكتور سعاد الصباح _____________

لا تنتقد خجلي الشديد فإنني بسيطة جداً..

وأنت خبير يا سيد الكلمات

هب لي فرصةً حتى يذاكر درسه العصفور

خذني بكل بساطتي وطفولتي

أنا لم أزل أحبو وأنت قدير

من أين تأتي بالفصاحة كلها وأنا يتوه على فمي التعبير

أنا في الهوى لا حول لي أو قوة

إن المحب بطبعه مكسور يا هادئ الأعصاب

إنك ثابت وأنا على ذاتي أدور..

أدور الأرض تحتي دائماً محروقة

والأرض تحتك مخمل وحرير

فرق كبير بيننا يا سيدي

فأنا محافظة وأنت جسور

وأنا مقيدة.. وأنت تطير

وأنا مجهولة جداً.. وأنت شهير

________________________

كتبتها الدكتورة سعاد الصباح

لحنها كمال الطويل

غنتها نجاة الصغيرة

 

الجزء الثاني:

في هذا الجزء دوري لا يتجاوز كثيرا الترجمة والعرض والكتابة، من كتاب[1] حول موضوع الرواية النسائية العربية، فصله الأول بعنوان (الكاتبات العربيات الحداثيّات). كتبته معجزة عصرنا: سلمى خضرا الجيوسي، التي قدمت للثقافة العربية ما لم تقدمه –كما يقول د. عبدالواحد لؤلؤة -  وزارة للثقافة في مشرق البلاد العربية ومغربها. تناقش سلمى الأدب الذي كتبته المرأة في القرن العشرين، ولكي لألا أطيل عليكم، سأكتفي، بقصص ونقاط سريعة معينة.

في العام 1920 برزت منيرة ثابت في مصر، عندما طالبت بحق التصويت للنساء، وكتبت في سبيل ذلك وفي سبيل قضايا المرأة في مجلات وصحف مثل السفور، والأهرام، والأمل. وهنا ومما يلفت النظر أن المرأة لم تصل للبرلمان في بريطانيا سوى عام 1919 وعدل الدستو رالأمريكي عام 1920 لإعطاء حق التصويت للمرأة، بينما أن المؤتمر السوري العام عقد في دمشق عام 1920 وكان من ضمن مقرراته إعطاء حق التصويت للمرأة، الأمر الذي لم يتحقق بسبب الغزو الفرنسي.

 

وتلاحظ الجيوسي هنا وبذكاء كيف أنه في سياق بروز قوتين في الثلاثينات هما الهيمنة الاستعمارية وردة الفعل الرافضة لها ورافضة بالتالي الليبرالية الغربية وما تحتويه من تحرر اجتماعي ونمو حركات دينية في الوطن العربي منها من لم يكن منفصلاًُ عن الاستعمار، وما تلاه من هيمنة سلفية في الثمانينات، أوجد روح المحافظة في العالم العربي.

ومن هنا فإن المرأة لم تحصل في مصر على حق التصويت سوى في منتصف الخمسينيات، وفي ذات السياق ظهرت كاتبات مثل عائشة عبدالرحمن التي نادت بأن للمرأة دور انتاجي كبير كأمهات في المنازل. في المقابل ظهرت كاتبات مثل نظيرة زين الدين، في لبنان، (1908- 1976)، التي حاربت الحجاب وحاربت عزل النساء المسلمات وهضم حقوقهن معتمدة في كل ذلك على أسانيد دينية من القرآن والسنة، لا على مقولات علمانية، وهو ما ضمنته كتابها "السفور والحجاب"، عام 1928، والذي لم يكن حول الحجاب فقط، بل حول الحقوق السياسية والمدنية للمرأة أيضا.

لاقى هذا الكتاب ردود فعل مؤيدة وأخرى معارضة، في الصحافة وفي الأمريكتين كما في العالم العربي. وتم شن حملة ضد الكاتبة في بعض المساجد، واتهمت بالردة والضلال، وحدثت حالات لمحاولة الاعتداء عليها وقتلها.

وتسوق الجيوسي أمثلة على ردود الفعل المختلفة على مثل هذه الآراء، بعضها لا يخلو من الطرافة، لا سيما لتشابهها مع ردود فعل حول كتابات مشابهة في نهاية القرن العشرين. من تهمة بالردة، ومن التشكيك بأنها المؤلف الحقيقي لكتبها، الأمر الذي تكرر مع عدة كاتبات على مدى السنين ليس سعاد الصباح وأحلام مستغانمي سوى أمثلة عليها. ومن بين من هاجمها كان الشيخ مصطفى الغلاييني، الذي ركز هجومه على أنّها خريجة مدارس تبشيرية. ولم يكن الشيخ الغلاييني يقصد أنّها متأثرة بالأفكار التبشيرية، بقدر ما كان تركيزه أنّه في هذه المدارس الاهتمام باللغة العربية والدين الإسلامي محدود، مما يثبت أنّها ليست المؤلفة الحقيقية للكتاب. هذا يثبت كما يبدو قوة الحجة في الكتاب.

لم تكن كتابات زين الدين مهادنة بأي شكل، فبعد عام صاخب عاشته نظيرة كتبت كتابها الثاني للرد على من هاجموها، وكتبته بعنوان "الفتاة والشيوخ". وفيه ردت على من شككوا في أهليتها كامرأة للحديث في الدين، بالإشارة للأحاديث النبوية المروية عن النساء. في كتاباتها أكدت نظيرة إيمانها العميق بالله والقرآن والرسول، وقالت "قلمي يقوده عقلي، حر ولا يهتز..يضيء مصابيح المعرفة".

شحصية أخرى تدرسها الجيوسي هي شخصية درية شفيق، الحاصلة على الدكتوراة من السوربون عام 1940، والتي كانت فخورة بمصريتها وعروبتها وإسلامها، أسست عدة جمعيات نسائية ومجلات ناطقة بالعربية والفرنسية كمجلة بنت النيل، التي تصدت فيها للدفاع عن قضايا المرأة دون أن تهاجم الحضارة العربية الإسلامية أو الدين الإسلامي والتراث العربي، ورأت كل ذلك شواهد على الإبداع والإنجاز، داعية للانفتاح العالمي للإنسان ورأت في هذا السياق أن المرأة يمكن أن تكون الجسر بين الشرق والغرب.

بوفاة هدى شعراوي عام 1947 بدت درية شفيق كما لو ورثت قيادة الحركة النسائية المصرية، وبتصاعد الأحداث في فلسطين ذهبت شفيق للتأكيد أن يقظة الأمة تمر بتحرير المرأة، وأسست عام 1948 "اتحاد بنت النيل"، داعية لتولي المرأة قضاياها بنفسها، وعدم تركها للرجال، وبالتالي لدخول االبرلمان وسن القوانين اللازمة لذلك.

وما أن حدث انقلاب محمد نجيب عام 1954 حتى بادرت شفيق للقائه والقول له أن ما قام به مجرد نصف ثورة وأن إكمال الثورة يقتضي تحقيق تحرير المرأة، ورغم رد نجيب أن خطوات كهذه قد تستعدي قطاعات من الشعب فإن شفيق أيدت الثورة منتظرة تغييرات المستقبل، ولكنها تمردت حين أعلن مشروع دستور عام 1954 الذي يستثني المرأة من حق الانتخاب، وأرسلت رسائل احتجاج في العديد من الاتجاهات معلنة إضراب عن الطعام حتى الموت، ولم توقف الإضراب إلا بعد عشرة أيام عندما تعهد لها وفد أرسله نجيب بأن الدستور الجديد سيعطي المرأة حقوقها. على إثرذلك تحولت شفيق لشخصية عالمية يستقبلها رؤساء الدول مقدمة صورة إيجابية عن المرأة المصرية والعربية.

لم تعجب درية شفيق بطرح عبدالناصر ولم تصطف في طابور المعجبين بطرحه القومي بل أرادت التصدي لقبضته الحديدية في الإدارة الداخلية. فدخلت عام 1957 إضراباً عن الطعام في السفارة الهندية انتهى بوضعها من قبل عبد الناصر تحت الإقامة الجبرية، وهجرها أصدقائها المصريين وأقاربها، وحوربت مجلتها وتراجع دخلها، وأخيراً تركها زوجها لمصيرها. فلجأت لكتابة الشعر ولكتابة مذكراتها مما ساعدها على البقاء على الحياة حتى العام 1975 عندما فعل الاكتئاب فعله فيها فألقت نفسها من شقتها للموت. ولم يتجاهل المؤرخون نضالها وحسب بل وشعرها الذي لقي قبول فرنسي مميز.

 



[1] Intersections

Gender, Nation, and community in Arab Women’s Novels

Editted by Lisa Suhair Majaj, Paula W. Sunderman, and Therese Saliba.

New York: Syracuse University Press, 2002

Pages: 320

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أديبات وروائيات, إنسانيات, المرأة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “هل تعرف المرأة العربية الكتابة؟”

  1. الكاتبات وما أكثرهن والمفكرات وما أعظمهن … المجتمع الذكوري الذي نحياه جعل أحد أهم أهدافه “السيطرة على المرأة” في كافة مناحي الحياة وحتى في كافة أنحاء جسدها بدءا من تغطيته وحتى تغطية دماغها “عن العمل” … باعتقادي بدأ الأمر كمحاولة فرض السيطرة والقوة ثم تحول لأمر موروث بين الرجال يحتاج لعلاج نفسي طويل الأجل لأجيال وأجيال حتى يتخطوا تعصبهم الذكوري الغير منطقي والذي بات مفهوما ومقروءا للعديد من النساء وخاصة المثقفات … رغم أنني اختلف على المفهوم “المثقفة” ولكنني لا أختلف على كنهها … فالمرأة بعاطفتها الجياشة وصدق مشاعرها وعدم ارتكازها على تعقيد الأمور والكلمات أيضا كما يفعل الرجال ، استطاعت أن تعبر بوابة القلق والعجز وفكرة السيطرة بالقوة الى مرحلة أخرى أكثر سلاما ودفئا وأمانا … لكن باعتقادي الرجل لم يعبر هذه البوابة فهو ما زال يبحث عما يثبت رجولته “للأسف” وقوته وسيطرته حتى على قطة … السيطرة من قبل رجال الدين ورجال السياسة ورجال العلم ورجال القلم ورجال الاقتصاد ورجال الأعمال ما هو إلا إشارة الى الضعف الحقيقي الذي يحياه الرجل .. فهو يعقد كافة الشياء بدءا من حياته وحتى حياة الآخرين فقط ليبق “الرجل” … البساطة لا تعني له شيئا سوى الموروث لأنه ببساطة “موروث” ولا داعي لتغييره وخاصة أنه يحمل في جنباته “عقدة الرجولة الأزلية” ….

  2. برغم الاجحاف الكبير بحق المرأة لصالح الرجل في هذه القصيدة إلا أنها جميلة جداً.. وذلك لأنها تعبر عن حالة حب، وفي الحب يغفر المرء ما لا يمكن أن يُغتفر في غيره..
    لا أعتقد أن الخلاف جندري، بمعنى أنه ليس بين المرأة والرجل فالمرأة قد تتعرض للانتقاص والظلم من أخرى مثلخا.. بقدر ما هو بين عقول ونفسيات أنشئت على مجموعة من المغالطات الفكرية الاجتماعية والدينية والإسلام منها براء، بدليل أن كثير من الصحابة كانوا يحتجون لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعلائه الكبير من شأن المرأة والذي يتجاوز في أحيان كثيرة شأن الرجل ويسبقه بمراحل، وبدليل أن الكثير من الأحاديث التي تتضمن تقليلا من شأن المرأةليس لها سند صحيح بل قد تدخل في باب الاسرائيليات والأحاديث المكذوبة..
    لن أطيل هنا ولكن ما أردت توضيحه أن المرأة العربية والمسلمة قطعت شوطاً كبيراً من الارتقاء الفكري والانجاز الحضاري الذي مهما تنكر له الآخرون رجالاً كانوا أم نساءً، فسيبقى واضحاً وضوح الشمس فس رابعة النهار.. وسيبقى هناك من ينصفها من المفكرين كسلمى الجيوسي وأحمد عزم.. وغيرهم كثير ..

  3. خلود
    هو موروث…بل وعقل جمعي…
    يعني عندما تنازل الشارع العربي عن كثير من قيوده في الخمسينيات وحتى الثمانينيات…كان تنازلا جماعيا…ثم عندما عاد كانت عودة جماعية…موضوع المرأة من أكثر المواضيع التي تتحكم فيها فكرة القطيع…أي أن الكل يمضي في تيار واحد - مع بعض الاستثناءات - أنا مع الحرية والمساواة…
    الغريب أنه إذا كان المجتمع يقول عن شيء عيب…يخشى كثيرون مخالفة ذلك حتى لو اقتنعوا بغيره…وإذا قال أن شيء مسموح سمحوا به حتى لو لم يقتنعوا بذلك..عقلية القطيع…

    نور..
    حتى أكون صادقا لم أفكر وأنا أكتب أنّ سعاد الصباح تخاطب رجلا كاتب، صاحب كلمات…أعجبتني الكلمات وأخذتها باعتبارها بين شخصين…ولكن ما كان في ذهني هو أن سعاد الصباح اتهمت بأنها ليست من يكتب شعرها…وأن هذا كما يبدو يتكرر مع الكثير من الأديبات والكاتبات الناجحات كما في قصة نظيرة زين الدين…التي عندما لم يجد خصومها قدرة على مقارعتها بالحجة أنكروا عليها أن تكون من كتب الكتاب…
    كل الاحترام…

  4. جاءني عبر البريد الإلكتروني هذا الموضوع الثري والمهم، حول موضوع هذا التدوين، أرجو ألا أكون قد تجاوزت بالسماح لنفسه بنشره هنا…ولكنه مهم:
    Download the original attachment
    حكايتهن..حكايتي

    هل تعرف المرأة العربية الكتابة؟!

    د.ناهد محمد الحسن

    على أنغام كمال الطويل وغناء نجاة الصغيرة وكلمات سعاد الصباح (لا تنتقد خجلي) ابتدر الأستاذ أحمد جميل عزم نقاشا كبيرا حول فكرة(هل تعرف المرأة العربية الكتابة)مقدما كتاب دكتورة سلمى الجيوسي حول المرأة العربية والرواية لا سيما الفصل الأول الذي يتحدّث عن الكاتبات العربيات الحداثيات والذي ناقشت فيه سلمى شخصيات اثرت في مجرى التاريخ النسوي والإنساني على العموم أمثال نظيرة زين الدين ومنيرة ثابت ودريّة شفيق وقد لون الأستاذ جميل عبارة(شككوا في أنها كاتبة هذه الكتب باللون الفسفوري مؤكدا أنّ التشكيك في قدرة المرأة على الكتابة كان دائما هو الطعنة المعدّة سابقا لأيّ مبادرة نسوية وربّما لهذا السبب استوجبت ردّا جريئا كالذي قدّمته نظيرة زين الدين في كتابها (الفتاة والشيوخ)والذي جاء عقب كتابها(السفور والحجاب)والذي حوربت بسببه وتم التشكيك في قدرتها على الكتابة فكان ردّها(في كتاباتها أكدت نظيرة إيمانها العميق بالله والقرآن والرسول، وقالت “قلمي يقوده عقلي، حر ولا يهتز..يضيء مصابيح المعرفة)..

    ولقد سمعنا وقرأنا اتهامات شبيهة لحقت بكتابات سعاد الصباح وأحلام مستغانمي ..حيث لا يجدر بالمرأة عند هؤلاء الا ان تحكي ألف ليلة وليلة لشهريار مهووس آخر وقد أحسنت فاطمة المرنيسي إذ أسرعت بنفي هذه الشهرذاد خارج المغرب بكتابها(شهرذاد ليست مغربية )وأنا أقول (شهرذاد ليست سودانية ولا عربية ولا أفريقية بل هي مشروع نازي ذكوري آخر في العقول المخبولة التي تحلم باستعادة عصر الحريم والجواري عبر فقه قديم او عرف متهالك)..والقول الفاصل في قصّة قدرة النساء على الكتابة هي الخنساء تماضر بنت عمرو ابنة المجتمع البطرياركي الصميم و التي عرفناها وقرأنا لها في رثاء صخر أعذب الشعر وأرقه وهي القائلة ألا يا صخر إن أبكيت عيني/ فقد اضحكتني زمناً طويلاً/دفعت بك الخطوب وأنت حر/فمن ذا يدفع الخطب الجليلا/اذا قبح البكاء على قتيل/رأيت بكاءك الحسن الجميلا.. وقد أجمع علماء وأساطين الشعر على أنه لم تكن امرأة قبل الخنساء ولا بعدها أشعر منها وقيل لجرير من أشعر الناس قال: أنا لولا الخنساء قيل بما فضلتك قال لقولها:ان الزمان ومايفني له عجب/ابقى لنا ذنباً واستؤصل الرأس/ان الجديدين في طول اختلافهما/لايفسدان ولكن يفسد الناس/وقال عنها بشار بن برد ـ لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر فيها الضعف فقيل: وكذلك الخنساء فقال: تلك التي غلبت الفحول وهي التي قال عنها الرسول (ص) رادّا على عدي بن حاتم الطائي قوله إنّ فينا أشعر الناس امريء القيس إنها أشعر الناس.وإن كانت الخنساء قد اشتهرت بشعرها فلأنها جمعت بين اشياء كثيرة من الأدب والشجاعة والفصاحة ورجاحة العقل ويكفي موقفها الراقي من فارس بني جشم دريد بن الصمّة الذي أحبها وخطبها ففضلت عليه أبناء عمومتها لكبر سنه فرد عليها بشعر صارم وهجاها فقالوا لها اهجيه فقالت لا أرفضه وأهجوه..وشاعر بني جشم كان فارسا قليلا ما تنجب النساء مثله وهو الذي قاد مائة معركة لم يهزم فيها قط آخرها غزوة حنين التي خاضها بخبرته عن عمر يناهز120 وقتل بعد مانجلت المعركة على يد احد افراد بني سليم قبيلة الخنساء الذي لم يحسن طعنه فقال له دريد لبئس ما سلحتك به امك خذ سيفي وأراه كيف يقتل به فرثته ابنته بشعر في منتهى الرقّة والعذوبة ومثلها كثيرات مما ضاعت شاعريتهم في ذمّة التاريخ ومنهن الشاعرة الجليلة بنت مرّة التي وجدت نفسها بين أخيها وزوجها في حرب البسوس فقالت أجمل الأشعار..وليست الجليلة أو الخنساء .برّة أو ابنة دريد بن الصمة ..إنّ الكتابة لا تدهى نوعا بعينه من البشر ولكنّها تدهى مفرد انسان وحين يكون ضحيّتها إمرأة فإنّها أذنت بحرب من نوع مختلف ..لقد كان يوما مختلفا من شهر آذار من عام 1941 ذاك الذي ملأت فرجينيا وولف جيوبها بالحجارة وخاطتهم لتغرق في نهر ما ..وإن كان استنساخ الأرواح حقيقة وكان علي أن أعرف سببا لهذه الروح النسوية الغاضبة والحزينة التي تجتاحني كثأرات من ماض لم أعشه لقلت إنها روح درية شفيق التي خطت من شباك شرفتها إلى الفراغ منهية حياتها في العام الذي ولدت فيه1975 .وهي السيدة التي غيرت تاريخ النساء في مصر..أصدرت عدة دوريات أدبية منها مجلة المرأة الجديدة ومجلة بنت النيل ومجلة الكتكوت الصغير للأطفال، في سنوات العزلة ترجمت درية شفيق القرآن الكريم إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، كما ألفت عدة دواوين شعرية وكتب إضافة إلى مذكراتها الخاصة وهي المرأة التي وضعها عبدالناصر قيد الإقامة الجبرية بعد إضرابها عن الطعام في السفارة الهندية احتجاجاعلى أوضاع المرأة في الدستور الجديد وهي التي نالت المرأة المصرية بفضلها حقها في الإنتخاب والترشيح بعد اضرابها عن الطعام لمدة 10 ايام في عهد اللواء محمد نجيب الذي عدل الدستور استجابة لها..حين تكتب المرأة فإنّها تكتب كما تلد ..آلام ليس بمقدور الذكور ابدا اختبار مخاضها ..لأنه ميلاد خاص ونسوي جدا ومليء بالحياة..

    محطّة أخيرة:

    يابْنةَ الأقوامِ إن لُّمْتِ فَلا * تَعْجَلي باللَّوْمِ حتَّى تَسْأَلِي

    فَإِذَا أَنتِ تَبَيَّنْتِ الَّتي * عندها اللَّومُ فَلُومِي واعذِلِي

    إن تَكُنْ أختُ امرِئٍ لِيمَتْ علَى * جَزَعٍ مِّنها عَلَيهِ فافْعَلي

    فِعلُ جَسَّاسٍ علَى ضنِّي بِهِ * قاطعٌ ظَهْري ومُدْنٍ أَجَلي

    لَو بعَينٍ فُدِيَتْ عَيْني سِوَى * أختها وانفقأَتْ لَمْ أحْفِلِ

    تحمِلُ العينُ قذَى العينِ كما * تَحمِلُ الأُمُّ قذَى ما تَفْتَلي

    إنَّني قاتلةٌ مَّقتولةٌ * فَلعلَّ اللهَ أن يرتاحَ لِي

    يا قتيلاً قوَّضَ الدَّهرُ بِه * سَقْفَ بَيتَيَّ جميعًا مِنْ عَلِ

    ورَماني فَقْدُهُ مِن كَثَبٍ * رَمْيةَ المُصْمَى بِهِ المُستأصَلِ

    هَدَمَ البَيتَ الَّذي اسْتَحْدَثْتُهُ * وَسَعَى في هَدْمِ بَيْتي الأوَّلِ

    مسَّني فَقْدُ كُلَيْبٍ بِلَظًى * مِن ورَائي ولَظًى مُّستَقْبِلِي

    لَيسَ مَن يَبْكِي لِيَومَينِ كمَنْ * إنَّما يَبْكي ليومٍ ينجَلِي

    دَرَكُ الثَّائرِ شافيهِ وفي * دَرَكي ثأرِيَ ثَكْلُ المثكلِ

    لَيتهُ كان دَمي فاحتلبوا * دِررًا مِّنهُ دمي مِنْ أَكْحَلي(الجليلة بنت مرة ترثي زوجها كليبا وتنعى جساسا أخوها).



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر