روايات سحر خليفة..اضطهاد المرأة الفلسطينية
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 1 تشرين الثاني 2009 الساعة: 03:38 ص
روايات سحر خليفة
اضطهاد المرأة الفلسطينية
لطالما أعجبتني روايات الروائية الفلسطينية سحر خليفة. ولكني لا أخفي أنّ منهج الفوضويّة اللغوية في رواياتها الأخيرة أزعجني كثيرا. فالخلط بين العامية والفصحى دون مبرر أحيانا، وعدم الاهتمام بالمفردات (لم يعجبني)، إن كان من حقي كقارئ معجب أن أقول ذلك.
ولكن تبقى لروايات خليفة متعة ومعنى كبيرين. ذكّرني بهما رواية جهاد الرجبي، (رحيل) التي أقرؤها باستمتاع وتأني هذا الأيام، والتي قد أعود لها وللكتابة عنها لاحقا، بعد أن أنهيها.
خليفة القادمة من خلفية يسارية اشتراكية، والرّجبي القادمة من خلفية إسلامية، تشتركان في توصلهما لنتيجة واحدة، تعبّر عنها الرجبي في (رحيل) بقولها:
(اكتشَفَت عندما مات سجّانوها أن سجنها الحقيقي أوسع من صندوقها، وأكبر من مساحات الجدران التي تحيط بها…اكتشفت أنّ جلاديها هم أيضا يُجلَدون! وأن سجّانيها معها سجناء!…)
وتقصد هُنا أهلها وذويها في مدينة الخليل، حيث تجري الرواية. حيث هم سجناء الاحتلال وهي سجينة أهلها، الذين يحبوها ويقمعونها في الوقت ذاته. وهي في الوقت ذاته سجينة الاحتلال. إذا هي في سجن مضاعف، (بين طغيانين).
بعض جوانب روايات خليفة، رغم إعجابي بها، لم أفهمه إلا بعد أن درست مناهج تحليل دراسات المرأة Feminism ، وإلا بعد أن قرأت وشاهدت فلما عن حياة الكاتبة.
إحدى الدراسات التي تناولت روايات خليفة، هي للكاتبة باربرا هارلو.[1] وتشير إلى أنّ سحر خليفة ولدت عام 1941 وحصلت على الدكتوراه من جامعة أيوا في الدراسات الأمريكية والكتابة الإبداعية عام 1988. أسست مركز مصادر المرأة الذي نشر مجلة شؤون المرأة، التي أسهمت في توثيق حياة المرأة تحت ضغط قوانين العائلة التقليدية.
تبدأ هارلو دراستها – الصادرة عام 2002 - بقصة حدثت في فلسطين عام 1994، عندما خرج أسير محرر من سجن الاحتلال ليعقد قرانه على فتاة كانت قد خطبت له قبل ثمانية أعوام، وأثناء ليلة الزفاف قتلت العروس فاتجهت الشبهات لعائلة عميل للاحتلال كان الأسير قد قتله ولكن اتضح بعد أيام أن العريس هو القاتل، فقد اكتشف عدم عذرية عروسه، وأخذ ثأره بيده.
هذا المدخل حول الشرف الوطني وشرف المرأة هو مدخل هارلو لدراسة أعمال سحر خليفة التي عالجت موضوع المرأة والوطن في رواياتها المختلفة.
ترسم رواية "الصبار" لسحر خليفة التي تدور أحداثها في بداية السبعينات، وكتبتها خليفة في الثمانينيات، صورة الانقسام السياسي الفلسطيني بين من يؤمن بالعمل المسلح سبيلاً للتحرر وثمثله شخصية أسامة الذي أرسلته قيادة الخارج ويريد تفجير باصات تقل العمال الفلسطينيين للعمل داخل الخط الأخضر. وبين عديل، سليل الأسرة الإقطاعية ولكنه يريد ممارسة النضال السياسي وتكوين طبقة بروليتاريا، تنظم العمال الفلسطينيين داخل المصانع الإسرائيلية, ويركز على التغير الاقتصادي. تبدو الرواية كمن تصنف أسامة وقيادة الخارج في إطار "القوميّة" (الوطنيّة) الفلسطينية واستمرار الفكر التقليدي المحافظ اجتماعياً. وطبعا هنا لا تتحدث خليفة صراحة عن من تقصد، ولكن إلى حد كبير يمكننا الاستنتاج أنّها تتحدث عن اتجاه محافظ عبّرت عنه حينها حركة "فتح". أما عديل ابن العائلة الثريّة سابقا، التي أصبحت تعاني الفقر الآن، والذي اتجه سراً وتجنباً لردود الفعل الاجتماعية لا سيما من قبل عائلته للعمل في المصانع الإسرائيلية محاولاً تحريض العمال للمطالبة بحقوقهم ورفض الظلم المؤسسي. هذا علماً أن الاحتلال وفرص العمل البديلة للعمال في مصانع إسرائيل كانت من أهم أسباب انهيار مزارع عائلته. (وهنا يبدو عديل ممثلا لليسار الفلسطيني). وما تريد خليفه – برأيي - قوله أنّ الثورة لم تَمنَع إعادة إنتاج المجتمع التقليدي لتبرير اضطهاد المرأة وتقييدها.
تدرس هارلو رواية أخرى هي "باب الساحة" التي كتبت بعد اندلاع الانتفاضة عام 1987، وتدور أحداثها في نابلس أيضاً.
هذه الرواية كانت أول ما قرأت أنا شخصيا لخليفة. أرشدني لها شاب كان قد ترك حركة "فتح" لتوه – بداية التسعينيات. قدّمها لي مثالا على كيف أن أحداثها توضح كيف يستهلك النضال أحيانا أرواحنا وحياتنا. في الرواية نجد بطلة الرواية تَشتُم فلسطين في بعض الصفحات لشدة ما اضطهدت وحوربت – الفتاة - باسم الثورة والثوّار (في نابلس)، ولأنّ شباب الانتفاضة، صاروا يعتبرون التصدي لها (بطلة الرواية ابنة المرأة "المشبوهة")، من واجبات الثورة.
رواية باب الساحة تطرح العنف ضد المرأة سواء من قبل الاحتلال الإسرائيلي أو عنف رجالهم في المنزل والعائلة. وتقارن بين ما يكتبه باحثين ودارسين وما يتم تداوله من شعارات حول الحب والوطنية وبين ما تفكّر به النساء أنفسهن الهازءات بذلك الشعر وتلك الشعارات، فتعبر بطلة الرواية عن نفسها بالقول "أنا كنت الأم، والآن الأرض، وبلا شك سأصبح غداً الرمز". وتقول "أنا لست الأم، لست الأرض، ولست الرمز، أنا إنسان آكل وأشرب، أحلم وأخطئ وأغضب وأثور وأفشي الأسرار، أنا لست رمز أنا امرأة". على أن بطلة الرواية (نَزهَة) في آخر أسطر في الرواية، وهي الرافضة بلا هوادة للخطاب القومي الصاخب سوف تأخذ زجاجة حارقة وترميها ضد الجنود الذين قتلوا ثلاثة من الشباب بما في ذلك أخيها أحمد، وستحرق علم إسرائيل. وحتى تنسجم مع نفسها، ولا تتناقض مع رفضها للشعارت الوطنية، تقول: "ليس بسبب الغول"، "ولكن لأجل أحمد".
بهذا تشير إلى ما قالته سابقاً، في الرواية من أن فلسطين "مثل الغول، تأكل، وتبلع ولا تشبع". وهذا فيه إشارة إلى حجم التضحيات، والضحايا، ورفضها تمجيد الموت.
ما تريد خليفة أن تقوله – كما أفهم - أنّه بموازاة الصورة القاتمة للواقع الاجتماعي للمرأة الفلسطينية في مجتمعها، هناك واقع أكثر قسوة هو واقع المعاناة من الاحتلال بما في ذلك، حسبما تقول هارلو، مشاهد التعذيب في السجن لانتزاع الاعترافات بكل ما فيه من صور، منها الاعتداء الجنسي، التي تستغل الفكرة العربية حول شرف المرأة.
أحد خيوط رواية باب الساحة تبدأ من الطالبة الجامعية سمر، التي تدرس أثر الانتفاضة في واقع المرأة، مما يتطلب زيارة بيت سكينة (المشبوهة) وابنتها نزهة. وفي لقاء مع إحدى النساء تقول تلك لسمر حول واقع المرأة في ظل الانتفاضة: "بصراحة لا شيء تغير، عدا عن الألم فهناك المزيد من الألم، وقلق أكثر، القديم والجديد فقد تعدد الأمر". أما نزهة فلا تثق بسمر وتتساءل ما الذي يجعلها تزورها، وتتساءل عن أي بحث علمي تتحدث، فتثور غاضبة تسألها صارخة ما الذي تريده؟ وتصرخ بحثك العلمي لا يشرفني. الأمر الذي تواجهه سمر مع أهلها الذين يرفضون زياراتها المتكررة لدار المشبوهة سكينة وبنتها نزهة، بينما تثور سمر للإجحاف بحق نزهة. وهي حبكة توضح أنّ المجتمع إذا أطلق حكما ليس مستعد لمراجعته، وأنّه لا يترك بابا للتوبة والتراجع، إن كان هناك ما يجب التوبة والرجوع عنه، بل قد يغفر الخيانة ولا يغفر لامرأة.
روايات خليفة في جزء منها تمثّل دراسات الجنسويّة التي تناقش واقع المرأة في سياق الحرب والصراعات المسلحة. وكيف تظلم بشكل مضاعف، من أهلها ومن العدو. وأنّ للمرأة دائما قضية إضافية عدا القضايا التي تواجه أي مجتمع. ولكن روايات خليفة تصل لنتيجة ضمنية هي أنّ الصدام مع الاحتلال الخارجي يصبح في النهاية هو التناقض الرئيسي، ويتغلب على التناقض الآخر، ولا أقول الثانوي، فتضطر المرأة أن تتناسى الظلم الذي يمارس ضدها من مجتمعها وأن تنتفض لهذا المجتمع، فتقاتل لأجله.
روايات خليفة مهمة، لمعرفة كيف يعاد إنتاج قمع الرجل للمرأة. وقد أبدع وليد سيف في مسلسل التغريبة، عندما أوضح كيف يتعامل الثائر المناضل، أبوصالح (جمال سليمان) بتسلّط مع زوجته. وروايات خليفة، واحدة من الصرخات المبكرة ضد فكرة تمجيد الدم والموت، وإن كانت تخلص لنتيجة صحيحة، هي أن إجرام الاحتلال يدفع غالبا إلى أن تضحي المرأة بقضيتها، وبدمها، في وجه احتلال ومجرم يمارس التطهير العرقي.
[1] Barbara Harlow in: Lisa Suhair Majaj,Paula W. Sunderman,Therese Salib, Intersections: gender, nation, and community in Arab women’s novel. (Syracuse University Press, 2003).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أديبات وروائيات, المرأة, غير مصنف, فلسطين | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 1st, 2009 at 1 نوفمبر 2009 4:16 م
“فتضطر المرأة أن تتناسى الظلم الذي يمارس ضدها من مجتمعها وأن تنتفض لهذا المجتمع، فتقاتل لأجله.” أعجبني عمق هذه العبارة فهي برأيي لا تتفق مع كثير من أفكار حركةال “feminism” خصوصا” في بداياتها و التي ترى العلاقة بين الرجل و المرأة في سياق التناقض حيث أن المراة هي “الآخر”. هذه العبارة برأيي ترى العلاقة بأنها تكاملية و أن المرأة ترى نفسها مكون أساسي من الكل الإجتماعي في حالة يتراجع فيها تقسيم الأدوار النمطي المرتبط بالجنس ال “Gender” تحت ضغط تحديات خارجيةأكبر تهدد هذا الكل.و إن كان لي أن أسأل “لماذا” و أحاول إستعارة مفردات التحليل النفسي فإنني سأجيب بأنه خيار براغماتي و تقنية للبقاء “survival mechanism” نابعة من اللاوعي ربمابم لا ينفي كونها خيارا” حرا”!
نوفمبر 1st, 2009 at 1 نوفمبر 2009 7:32 م
أتفق معك سلام بهذا تماما
فالتناقض الرئيسي يتضح أنه الاحتلال وتتحول التناقضات الأخرى إلى ثانوية، رغم صعوبتها أحيانا. ولكنها تناقضات قابلة للحلول الوسط، أما التناقض مع الاحتلال الإحلالي فهو صراع صفري لا مجال لحلول وسط فيه