خمس دقائق من الضياع

كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 24 تشرين الأول 2009 الساعة: 05:33 ص

نزلت من المنزل والساعة تجاوز السادسة صباحا…لأسير عدة كيلومترات على كورنيش أبوظبي…كان السير فرصة لأفكر في الفيلم الذي حضرته وزوجتي في السينما في اليوم السابق. (ميكانو) لبطله تيم الحسن. كان اسم الحسن هو الذي جذبنا لحضور الفيلم، الذي عرفنا أثناءه أن "ميكانو" كلمة دارجة في مصر للعبة لتركيب البيوت والمجسّمات، شي ء شبيه بلعبة "الليجو"، ولكنها تختلف قليلا.

كان الفيلم متقنا وما شدّني له أكثر أني سمعت يوما من أصدقاء عن حالة زميلة لهم أصابها ذات داء المهندس بطل الفيلم، من حيث فقدان الذاكرة القريبة. فكانت إذا ما خرجت من منزلها معرّضة لأن تنسى طريق العودة، لذا دائما لديها أوراق مكتوبة تساعد على العودة. وفي الفيلم يحتفظ بطله بذاكرته أشهرا أو سنوات لكنه فجأ يصحو كما لو كان بذاكرة بيضاء لا يذكر فيها شيء سوى تفاصيل حياته قبل الخامسة عشر من عمره، يوم أصيب بهذا المرض.

اللمحات الفلسفية في الفيلم كانت عندما ينصح هذا المهندس العبقري في تصميم المشروعات العمرانية الكبرى، مندوبة تسويق للعقارات أن تهرب من حياتها بإقفال جهاز الخليوي، لتكتشف أنّ العالم لن يتغير. أو حين تتحدث عن مشاكلها مع أخوها، فقال لها فكري بأن تنسي ما حدث بينكما في السنوات الأخيرة، وتذكريه في سنوات ما قبل ذلك، يوم كنتم تلعبون سويّا.

تذكّرتُ صديقا وجدناه يوما يبكي وهو يسمع أغنية ميادة الحناوي، نعمة النسيان، فصرنا نمازحه ونهزأ من شاعريته، ونحاول استدراجه لنعرف القصة التي يريد نسيانها. وكان لنا صديق آخر صوته جميل، يبدأ أحيانا بغناء الأغنية لاستفزاز هذا الباحث عن نعمة النسيان. ثم تذكرت أنّه أصبح بالفعل بحاجة لهذه النعمة، عندما أفقده الموت زوجته التي أحب في الجامعة، ودخل في دوامة الفَقد بأشد صورها ضراوة.

انتبهت لذاتي وقد تجاوزت مدخل الشارع الذي يؤدي لمنزلي.

في السنوات الأخيرة، في أبوظبي وخصوصا الكورنيش، يختلف المشهد من أسبوع لآخر، فهناك أبراج تبرز فجأة وأخرى تختفي، وشوارع تفتح وأخرى تغلق. استغرقني التمكن من معرفة طريقي ثانية نحو خمسة دقائق من الضياع والشك.

شعرت بمتعة غريبة في هذا الضياع، خاصة أنه لا يوجد معي أي جهاز اتصال أو ساعة أو شيء. متعة أن تعيش الحياة دون محددات الحداثة…متعة أن تضيع….وتضيع تفاصيل كثيرة…

ليس الضياع متعة…ولكن ليس كل تفاصيل الحداثة والحياة متعة…

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أغاني شبابية, إنسانيات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “خمس دقائق من الضياع”

  1. احيانا نحن بحاجة لان نضيع….ليش لأ ؟
    قليل من الضياع لا يضر ! المصيبة ان تتمتع بذاكرة قوية وشغف بالحياة…فلا تكون بقادر على ان تلقى خلف ظهرك كل الذكريات التي خلفتها مغامرات حمقاء .

  2. وأحيانا نندم على ما لم نفعل…أكثر ما نندم على ما فعلنا…أي نندم لو فعلنا شيئا ما…لو دخلنا مغامرة ما…
    تحياتي

  3. كل القيود التي يضعها العقل واحيانا المنطق ..و الدين …والمجتمع…التي قد نكرهها احيانا …تشكل حماية لكل منجزاتنا التي تعبنا في تحقيقها…وتحمينا من انفسنا …من لحظات النزوة و الطيش !…احيانا يجب ان نقر و نرضى بأن نحتمل الالم و العذاب بصمت ووحدة ! لتبقى دورة الحياة مستمرة …والا …كيف يمكن لكل هؤلاء الذين ادخلناهم في دائرة حياتنا..وكل هؤلاء الاطفال الذين انجبناهم ان يستمروا في حياتهم؟! …اظن ان هذه هي ضريبة الحياة….التي يدفعها الاشقياء.

  4. أتفق أنّه أحيانا علينا أن نختار عدم فعل شيء، مراعاة لتوازنات اجتماعية تتعلق بمن نحب أو بمن لدينا واجب اتجاهمم. وهذه من أهم أنواع القيود المنطقية والمبررة…لنكبح جماح أنفسنا أحيانا…وحتى لتقديم تنازلات…
    أعتقد أنّ مقدار الحرية المقبول في كثير من الأحيان…أن نكون نريد ما نفعل…لا أن نفعل كل ما نريد…ولكن الصعوبة تتضاعف إذا اضطررنا أن نفعل ما لا نريد

  5. الخروج من دائرة الزمن الحاضر والشعور بالضياع المكاني أمر جميل وجيد للتخفيف من حدة التوتر والضغط الذي تتعرض له أدمغتنا من ممارسات الحياة المختلفة، هذا إن رافقه شعور الفرد بالاسترخاء وعدم التوتر نتيجة فترة الضياع القصيرة هذه.
    وأحياناً يفعل دماغنا ذلك بشكل قسري إذا بالغنا في تعريضه للضغوط.. ولا ندري متى يختار دماغنا هذه الدقائق والثواني ليحصل على قسط بسيط من الاسترخاء، وحتى لا يحدث ذلك في لحظات حرجة أو خطرة، فيجب أن نوفر نحن هذا لأدمغتنا بين وقتٍ وآخر..
    هذا مختلف بالتأكيد عن الضياع الذي حصل معك، وأذكر أن اليوم الذي ضعت فيه بسيارتي في السلط وهاتفي مغلق بسب نفاد البطارية، كان من أجمل أيام حياتي، وتمنيت لو أستغرق في ذلك الضياع ساعات وساعات.. لا سيما أن فيروز كانت رفيقتي الوحيدة في ضياعي في مكان أحبه جداً وأقصده للقاء نفسي كلما اشتقت إليها..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر