جدتي أم جميل… وفلسفة الابتسامة
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 10 أغسطس 2009 الساعة: 15:52 م
رأيته صباحا، في الساعةالسابعة والنصف، ملتحي يرتدي ملابس رسمية كاملة، وربطة عنق سوداء كاملة. لفتني عبوسه الشديد. كان شابا ملتحيا، لحية مشذّبة، على نحو يغري بأن نعتبره "شيخ"، ولكن لا يمكن أن ننساق في هذا الإغراء. ثم أنّه استنتاج قد لا يعني شيء.
ولكن عبوسه لم يبد من النوع المرتبط بتأخر تكسي في جو ستُقارب درجات الحرارة فيه بعد قليل نصف درجة الغليان، ولم يبد أنّه عُبوسٌ مرتبطٌ بشيءٍ عابر، بل بدا عبوسًا متأَصِلاً سيَترُك قريبًا سيماهُ في وجهه. وددت لو توقفت وسألته لماذا أنت عابس على هذا النحو "المرعب"؟. وأن أحاول أن أعرف إن كان "شيخ" أم لا، ليتأكد هاجسي، لأنّه إذا ارتبط العبوس والحنق والغضب مع "المشيخة" أو الأيديولوجيا، حق لنا أن نخاف.التبعات
ولكن ما حضرني حقيقةً، وماتمنّيتُه فعلا، وقضيتُ بقية الطريق إلى العمل أفكر فيه، هو ماذا لو أتيح له جدتي لتتحدث إليه؟.
جدتي التي توفيت منذ ثلاثة عشر عاماً. ولكن ذكراها وصورها باقية في كل مكان.
لو كانت الحاجة فاطمة (ستي أم جميل)،موجودة، وكان الشاب من أهلها أو جيرانها، لنظرت له وقلّدَت عبوسه ممازحة، في لفتة ستكفيلتوجه كل الرسائل المطلوبة بعيدا عن الفلسفات والأفكار السوداء التي خطرت ليأعلاه. لما فكَّرَت في أيديولوجيته ولا في أفكاره. ولقالَت لهُ بِضعُ كلمات لطيفة - قاسية، كقوة الياسمين الأزرق المضّمَّخ بصباح فيروزي الصوت لمن يهزُّه الجمال. لقالَت له: وجهك ليس جميلا في هذا العبوس. ولقالت "إفرد وجهك….منشان ربنا يفردها معاك".
كم هي المرات التي وجّهت لي كلمات من هذا النوع؟ كم مرة أعطتني نصائح بقيت راسخة؟.
نصائحها من نوع: "سلام الأُصبع لا بِضُر ولا بِنفَع"، وذلك لتشجعني على التسامح وعلى عدم مقاطعة الآخرين أو الابتعاد عنهم. وعلى أن أبادر مَن بيني وبينهم خلاف بالتسامح والسلام. كم مرة تحدّثت عن الهندام وحسن الطالع بأسلوب العاشق للجمال والرغبة أن تكون مريحا لمن حولك وأن تكون متصالحا مع نفسك؟.
جدتي التي توفيت عن سن الخامسة والسبعين بقي بيتها الصغير، وبقيت بثوبها المقدسي الذي طرّزت خيوطه الحمراء، تستقبل شباب وشابات العائلة حتى قبيل وفاتها. كانت صديقة الشباب ووالدتهن الروحيّة،كن وكانوا (وأنا من مؤيدي نون النسوة)، يستشيرونها في كل شيء. كانت الوسيط في جعل الأهل يوافقون على الزواج، وكانت الوسيط في الإصلاح بين الآباء والأبناء والبنات، وكانت الوسيط لمنع طلاق.
كانت أحيانا تتحول" لأخصائي تنظيم وقت" فتراها تُتابع شخصا ما، فتتأكد من استيقاظه في الوقت المناسب لعمل ما، أودراسة أو…وتتأكد من كثير من الأمور…حتى يصبح منضبط ذاتيّا.
لم تنجح باستمرار بل نجحت أحيانا. ولكن الكُل أحبها دائما… وحتى القليل جدّا جدّا ممن لم يحبها (لأنه لايعرف الحب)، ادّعى أنّه يحُبها خوفا من أن يكرهه الآخرين…
ليس غريبا أنّها حتى بعد السبعين من عمرها كانت تتحسر بل وقد تبكي عندما تتذكر أنّ والدها فتح في بيتهم في العيزرية مدرسة صغيرة للبنات، بدأت تَدرُس فيها مع بنات أخريات على يد شخص "غريب" عندما احتج أهل القرية وانتهى الأمر بإغلاق المدرسة في مهدها. كانت تتحسر على فرصة العلم الضائعة فتشعرنا كم جميل هوالعلم… وكم كانت تُسرُّ أن ترينا قدرتها على القراءة…خصوصا في القرآن…
قصصها الجميلة والطريفة عن أزمان عاشتها كانت تهزني.
كانت تصنِّف حياتها سياسيا – اجتماعيّا، في فترات ثلاث: زمن الانجليز، وزمن الأردن، وزمن إسرائيل، وكانت تتحدث أيضا عما سمعته عن زمن تركيا. وكانت تقول زمن تركيا وإسرائيل الأسوأ. وتقول كانت حياتنا أفضل زمن الأردن!
كانت مصطلحاتها تستحق الدراسة الأنثروبولوجية ففيها مفردات من التركي والانجليزي والعبري مع العربي. مثلا إشارة المرور التي تسميها (كما يفعل آخرون من أبناء القرية): "الرمزون"، وأعتقد أنها من العبري، مثل مصطلح "المحسوم" الذي يتداولها الفلسطينيون إشارة إلى الحاجز العسكري، وربما كانت الرمزون مشتقة من الكلمة العربية "الرمز".
كم جميل أن يكون لدينا شخص حكيم جميل يقودنا وسط الحياة ويقدم لنا "رمزون" إنساني دون تعقيدات الأيديولوجيا والسياسية والفلسفة …ولكنه يجعلنا نحب أنفسنا ونحب الآخرين…نحب الملابس الجميلة والعِلم لأجل الجمال والعلم…. نحب الرائحة الطيبة لأجل الطيب…نحب الجلسة المنضبطة لأجل حبنا للآخرين….
كم أضحكتني يوم شرحت لي أنّ القهوة بدون سكر أشهى ولكن قهوة لصباح لا بأس بتحليتها قليلا وأضافت بعفويّة: مثلا كل ستة فناجين نضع عليها معلقة سكر صغيرة!
سعيد أبو الريش، ابن أخيها، والكاتب المعروف، في كتابه الذائع الصيت (Children of Bethany)فإنّه أنصفها عندما جعل إهداء الكتاب خاص بها. فبعد أن سمع ووثق (وحوّر وأضاف) في قصص القرية والعائلة اختارها من بين الآخرين كلّهم ليخصص إهداء الكتاب الذي يدّرس الآن في أقسام الدراسات الشرق أوسطية في أمريكا وأوروبا لها…
دعونا لا نعبس اليوم…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أغاني شبابية, إنسانيات, فلسطين | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























نوفمبر 8th, 2009 at 8 نوفمبر 2009 3:51 ص
[...] ذات صلة: جدتي أم جميل… وفلسفة الابتسامة أضف الى [...]