تعريف مشعل للصراع وخداع الذات
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 28 حزيران 2009 الساعة: 02:52 ص
http://www.alghad.jo/index.php?article=13638
بمجرد انتهاء خطاب رئيس حركة "حماس" خالد مشعل مساء الخميس الفائت، تبارى أنصار "حماس" وخصومها، في تعليقات فيها قدر كبير من خداع الذات، بأصرار الطرفين أنّه "لا جديد في خطاب مشعل"، ولكن كل من زاوية مختلفة. والواقع أنّه لقراءة الخطاب بطريقة صحيحة بعيدا عن القراءة الرغائبية والمسيسة التي يصر عليها مختلف الأطراف، يمكن أن نفعل ذلك انطلاقا من إعادة تعريف القضية الفلسطينية كما ظهرت في الخطاب. ولتعريف أي صراع لا بد من تعريف" أطرافه، وقضيته، ووسائلة.
من حيث الأطراف المؤثرة فإنّ الخطاب وما أثاره من ترقب قبل إلقائه وما يثيره من اهتمام، يؤكد حجم "حماس" في معادلة القضية الفلسطينية، وأنّها رقم صعب في المعادلة. وجاء خطاب مشعل وسط غياب واضح لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي لا يعفيها بشكل من الأشكال قيام سلام فياض، باعتباره رئيسا لحكومة السلطة الفلسطينية بإلقائه خطابا سبق خطاب مشعل، فغياب منظمة التحرير وقيادتها مستمر. ولا يجدي أن يقول قادة فتح أنّ "خطاب مشعل لم يأت بجديد"، بل إنّ الخطاب ومن حضره والاهتمام به هو اعتراف بامتداد "حماس" الشعبي، وبالتالي الوزن الدولي، وهي أمور لا يمكن أن يتجاهلها إلا ممن يستهوي خداع ذاته، أو من يتوهم أنّ إنكار وجود الشيء سيؤدي لاختفائه!! كما أن طروحات مشعل السياسية سيتم التقاطها عالميّا بإيجابية، حتى لو يكن ذلك واضحا للعلن سريعا.
على أنّه على صعيد تعريف الأطراف أيضا، فإنّ التعريف الديني الحضاري للصراع تراجع كثيرا في خطاب مشعل لصالح خطاب "الحقوق الوطنية".
العنصر الثاني في تعريف الصراع، هو تعريف القضية، وقد جسّد مشعل بخطابه تغير تعريف حماس لقضية فلسطين من كونها قضية وجود، إلى كونها قضية حدود. وقد ذهب ضيوف ظهروا على قناة "الأقصى" الفضائية التابعة لحركة "حماس" ليعلقوا على الخطاب، وهم من أشد خصوم قيادة "رام الله" ضراوة، إلى القول إنّ المساحة بين برنامجي "فتح" و"حماس" باتت ضيلة للغاية. وهذه قراءة واقعية، حتى لو رفضها مذيع القناة المذكورة وضيوفه الآخرين، فبداية لا يوجد أي إشارة في خطاب مشعل لأي رفض لتسوية تؤدي إلى بقاء إسرائيل، وليس هناك إشارة واحدة لإزالة إسرائيل من الوجود، وجميع الاعتراضات والخلافات تتعلق، بقضايا مثل مدى جدية إدارة أوباما، وحدد مشعل معالم الحل بقوله إنّ برنامج "الحد الأدنى" هو "قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، ذات سيادة كاملة على حدودالرابع من حزيران عام 1967 بعد انسحاب قوات الاحتلال وإزالة جميع المستوطنات منها،وإنجاز حق العودة"، وأي شخص يرى أنّ هذا هو ذات موقف حماس السابق القاضي بتحرير فلسطيني من البحر إلى النهر، وبالتالي "لا يوجد جديد في خطاب مشعل"، يمارس أيضا خداع للذات لا يقل عن الذي يمارسه من ينكرون قوة "حماس" وشرعية مشاركتها في تمثيل الفلسطينيين، ومن ينكرون أنّ الخطاب فيه موقف سيلقى قبول دولي. ومن لا يرون أنّ حماس أصبحت تعرّف قضيسة فلسطين أنّها قضية حدود ودولة، وليس وجود إسرائيل. تماما كما أنّ من لا يريد أن يرى تعليقات قادة السلطة (صائب عريقات مثلا) فور إلقاء بنيامين نتنياهو خطابه متطابقة مع ما قاله مشعل عن الخطاب.
العنصر الثالث، في تعريف أي صراع، هو الوسيلة. وأكثر نقاط التمايز (النظري) في خطابي سلطة رام الله وحماس، هو موضوع الوسيلة. حيث تدّعي "حماس" أن المقاومة المسلحة طريق النضال، وتدّعي أنّ غيرها ألقى هذه الأداة جانباً، ولكن "حماس" ذاتها من خلال القول (في خطاب مشعل) إنّ "المقاومة وسيلة وليست غاية، وهيليست عمياء، بل ترى التغيرات الجارية"، تطرح مدخلا مهما أيضا للتوافق حول الوسيلة.
بطبيعة الحال موضوع الوسيلة موضوع معقد، لا يجب تبسيطه، فحركة "فتح" تبنت المقاومة المسلحة قبل تبنيها من "حماس"/ الإخوان المسلمين، بنحو ثلاثين عام، ويوجد داخل "فتح" من يطالب بالعودة للمقاومة المسلحة، وحماس ذاتها أوقفت العمليات من قطاع غزة حيث تحكم، ولا يمكن الادّعاء أنّ الموقف العملي من المقاومة (وليس النظري) مختلف كثيرا. وقضية المقاومة المسلحة، في إطار حديث التهدئة، يمكن التغلب عليها بين "فتح" و"حماس" وباقي الفصائل لو خلُصَت النوايا.
الشق الثاني في خطاب مشعل، كان خاصا بملاحقة واعتقال وتعذيب عناصر حركة "حماس" في الضفة الغربية، ولكن مشعل لم يناقش أبدا الاتهامات المضادة حول ما يجري في غزة، من اعتقالات وتعذيب وإطلاق نار على الأرجل، ومنع قيادات فتح من مغادرة غزة للاشتراك في الاجتماعات الحركيّة.
لم يعد مجديا القول إن الفرق بين برنامجي فتح وحماس إزاء التسوية جوهري. والأصح أنّ الصراع بينهما هو صراع على السلطة، وصراع حول اتهامات متبادلة بتدخلات خارجية، وتجاوزات قانونية، وقمع متبادل. صراع بين قادة فتح الذين لا يريدون التنازل عن ما يجب أن يتنازلوا عنه لحركة "حماس" بوصفها فائزة في الانتخابات، والرافضين لحكم القانون، ومحاسبة الفاسدين بينهم، وغير المدركين لمعنى وجود شخص مثل دايتون في الضفة الغربية. وبين حركة "حماس" التي تريد مزاوجة صعبة بين السلطة والحكم من جهة والمقاومة من جهة ثانية، والتي تجاهلت وتتجاهل أنّ النظام السياسي الفلسطيني رئاسي برلماني، وأنّ فوزها بالبرلمان لم يكن يعني أنّها تحكم منفردة، وتتجاهل الرئاسة، أو تسيطر عليها بالقوة. فلسطين وقضييتها والشعب العربي والفلسطيني كلّهم يدفعون ثمن خلافات لا تتعلق بلب القضية وجوهرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلسطين | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























