المأزق الذي وضعنا حزب الله فيه
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 11 حزيران 2009 الساعة: 00:52 ص
http://www.alghad.jo/index.php?section=10
لماذا راهن "حزب الله" على ميشال عون؟ هذا سؤال سيبقى موضع بحث. أليس عون هو الذي تحدث أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأميركي، يوم 18/9/2003، في سياق مساعيه التي أدت إلى صدور القانون الأميركي المسمى "محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان". وهو من تحدث للأميركيين عن "الاضطهاد السوري"، ومن حذّر أنّه بعد انسحاب سوريا ستبقى هناك "أدوات للرعب والتدمير" في لبنان. وقال عون قبل ذلك في برنامج "الاتجاه المعاكس"، على قناة "الجزيرة"، إنّ الحديث عن مزارع شبعا هو حتى "نبرر استمرار السلاح بيد حزب الله، ويظل قوة تهديديّة لباقي المجتمع اللبناني". ,وقبل ذلك وفي السبعينات كان عون عون يقود الحرب على مخيم تل الزعتر…وما حدث به من مجازر
عكس تحالف حزب الله وعون الذي لم يؤد لفوز سياسي في الانتخابات اللبنانية برجماتية فائقة في التحالفات السياسية لا تعكس المبدئيّة التي ادّعاها الحزب. وعدم الفوز هذا يثبت أيضا أنّ الماكينة الإعلامية الضخمة للحزب القائمة على استخدام سلاح تخوين الخصوم لم تقنع الجمهور اللبناني.
كثيرة هي الادعاءات التي أطلقها الحزب ووعد بتقديم الأدلة عليها ولم يقدّم شيئا، فبقيت اتهامات التبعية والعمالة لحكومة فؤاد السنيورة مجرد اتهامات ودعاية لا دليل عليها، أقنعت البعيدين عن لبنان ولم تقنع اللبنانيين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في ديسمبر/ كانون أول 2006 اتهم أمين عام "حزب الله"، حسن نصرالله، السنيورة بإعطاء أمر إلى الجيش بمصادرة السلاح الموجه إلى "حزب الله" خلال الحرب مع إسرائيل، وقال إنّ جهازاً أمنياً لبنانياً كان يعمل خلال الحرب للبحث عن أماكن قيادات "حزب الله" بمن فيهم نصرالله شخصياً، بهدف "اغتيالهم" من طرف القوات الإسرائيلية، ووعد بحزم بتقديم الأدلة على ذلك، وطالبت الحكومة بالأدلة، وحتى الآن لم تعلن الأدلة.
ما حدث في لبنان أنّ حزب الله غامر برصيده في المقاومة معتمدا على أنّ الجماهير تقدّم له توكيلا مطلقا. متناسيا أنّه إذا كان هذا صحيح في إطار قطاع واسع من الطائفة الشيعية لأسباب عقائدية دينية مذهبيّة، فإنّ التوكيل الذي أخذه من القطاعات السنيّة ومن قطاعات مسيحية هو توكيل سياسي وليس ديني، قابل للتغير إذا لم يقدم الحزب خطابا وأداءًا مقبولين.
عندما انتصر حزب الله في الحرب على إسرائيل عام 2000 ودحر جيش الاحتلال عن الجنوب اللبناني، ووسط الاحتفال العارم ليس من العرب والمسلمين فقط بانتصار الحزب بل واحتفال أحرار العالم، كان هناك أمل وكان هناك خوف، مما سيتجه له حزب الله. كان الأمل أن يتمكن الحزب من تقديم خطاب محلي غير طائفي، وأن يتمكن من تقديم فكر إنساني عام. وكانت الخشية أن يعاني الحزب حالة معروفة جدا في علم "إدارة الصراع" هي حالة (فائض القوة). فأي جيش أو كيان سياسي يخرج من صراع منتصر قد يكون لديه فائض قوة يكون أمام ثلاث سيناريوهات، أولها تفكيك هذه القوة تدريجيا لصالح تحويلها إلى أطر مدنية، أو ثانيا، البدء بصراع جديد خارجي (كما فعل صدام حسين في الكويت)، أو أنّ صراعا داخليا (في الحزب ذاته) ينشأ.
كانت البدايات مشجعة، فلم يحاول الحزب بعد الانتصار الانتقام من خصوم الأمس، بما فيهم عملاء إسرائيل، ولم يستخدم البندقية داخليّا، ولكن للأسف مع الوقت زادت الصبغة الطائفية للحزب، وزاد ارتباطه بعقيدة "الولي الفقيه" بما لها من أبعاد سياسية. وبعد عام 2006 وتوقف المواجهة مع إسرائيل لم يقدم الحزب خطابا توحيديا، بل دخل لعبة "التخوين" واتهام الآخرين دون أساس، ثم استخدم بندقية المقاومة ورصيدها في السياسة الداخلية.
المأزق أمام الجمهور العربي الآن، أنّه إذا كانت مواقف ميشال عون معروفة تاريخيا، وإذا كان دور حركة "أمل" في الاقتتال الأهلي وفي مجازر المخيمات في الفلسطينية في الثمانينيات، في صيدا (التي فاز فيها السنيورة ضد قيادة تاريخية هي أسامة سعد) معروفة، فإن مواقف حلفاء تيار المستقبل في تحالف 14 آذار، معروفة أيضا، فعلاقات حزب "القوات اللبنانية" مع إسرائيل معروفة، ودورها في مجازر صبرا وشاتيلا، معروف، والقوات اللبنانية كيان يصعب فصله تاريخيّا وسياسيّا عن حزب "الكتائب"، الركن المهم في تحالف 14 آذار، وعدا عن العامل الإسرائيلي، فإنّ بعض هذه القوى هي رموز التوتير الطائفي والعداء للعرب والعروبة.
حزب الله بتبنيه خطاب توتيري تخويني فيه قدر من التعالي، وارتباطه السياسي غير المشروط مع النظامين في دمشق وطهران خسر الشارع رغم الإمكانيات المالية الهائلة التي تضعها إيران بين يديه. وجعل كثيرين في مأزق، فقد باتوا يتمنون خسارة حزب الله بسبب هذا الخطاب والارتباطات السياسية، رغم أنّ هذا من جهة أخرى يصب في مصالح فريق متحالف بدوره مع من يمثلون في جزء منهم أيضا مشروعات طائفية، وارتباطاتهم التاريخية مثيرة للقلق الشديد.
بالتأكيد أنّ اللبنانيين لم يصوتوا ضد المقاومة وهم لا زالوا معها، ولكن ضد توظيف إنجازات المقاومة على نحو سياسي برجماتي، وضد خطاب التخوين، وضد استخدام السلاح في الخلافات الداخلية على غرار ما حصل العام الفائت، وضد حديث نصرالله عن أنّه يستطيع أن يحكم لبنان. وما حدث وإن كان لا يخلو من فرز طائفي فإنّه كما قال السنيورة "انتصار لمنطق الدولة".
ما يؤسف حقا له أنّه لا يوجد قوة تحمل مشروعا فوق طائفي في لبنان سواء ضمن الفائزين أو الخاسرين، وأنّ التحالفات السياسية والمواقف تعبّر عن مصالح ضيقة وقصيرة الأمد لم تعد ترتبط بمشروع نهضوي أو تحرري وحدوي بعيد المدى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلسطين, لبنان | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























