سيجارة مكسورة وتشيّؤ

كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 9 حزيران 2009 الساعة: 02:07 ص

 

خاص بالمدونة
نظر إليّ بابتسامة صفراء وهو يفتح علبة سجائره. فهمت الرسالة الكامنة في الابتسامة، وابتسمت بدوري. فهي تختزل قصة طويلة مضحكة قد تكون ساذجة وقد تكون مبكية.
كان قد بدأ التدخين عندما كنّا في سن السادسة عشرة، يومها حاولت إقناعه بترك التدخين، حتى أني بكيت يوما وأنا أحاول. فقد كان شعوري بضرورة مثالية السلوك يصل درجة السذاجة، ورأيت أنّه يشوه حياته بالتدخين!! أو لعلي اعتبرت أن ما يقوم به يمسني. أو ربما هناك احتمال آخر هو أني لم أرد أن يصبح مختلفا عني.
في ثنيّات الابتسامة خرجت صورته وهو يجلس معي في البنك حيث عملنا سويّا. كانت الساعة العاشرة مساءا وكنا نتأخر لإنجاز عمل متأخر. وكلانا لم نكن مصرفيين، ولم نكن نفهم بالأرقام، بل كنا نعمل في العلاقات العامة والإعلام. يعرض علي سيجارة، بعد أن أصبحت مديره. وبما أنّه لم يكن العرض الأول، فقد أخذت السيجارة وكسرتها، ضحك بسخرية وأكمل العمل في تخزين الصورة بواسطة جهاز الماسح الضوئي "السكانر" الذي كان اختراعا جديدا، وثمنه وقتها يبلغ ثمنه الآن ثلاثين مرة. وتكررت تلك القصة – قصة السيجارة المكسورة – مرات لاحقا. أصبح يدعوني لشراكته في السيجارة وأصبحت أستمتع بكسرها.
قال لي نعم، لم أعد أستمتع بكثير من أسباب المتعة. لم أعد أحب أن أستمع إلى أم كلثوم، أكره أغانيها. لم أعد أطيق رؤية عبد الحليم على قناة روتانا طرب، وحتى اكون دقيق، أحب عبدالحليم وأكره أغانيه. وأحيانا أكره حياتي لأني أحببت يوما أغاني (أم كلثوم وعبدالحليم) وحلّقت فوق الغيوم نشوة باستماعي لهما.
نظرت له وقلت هل يعنى هذا أنّك أصبت بالتبلد!!
ورد: ربما.
وأضاف: أستمع للإيقاعات في الموسيقى العربية، التي تملأها أصوات الطبل، فأكره نفسي، لما فيها من لعب على أوتار الرقص والغرائز البدائية. أكره بليغ حمدي، ومدرسته في الموسيقى.
سألته: لماذا هذا التحول؟!
أجاب: ربما لأني صرت أتأمل تفاصيل الموسيقى أكثر. وربما لأنّ فتاة من "هونج كونج"، افتخرتُ يوما أمامها بموسيقى أم كلثوم. فردت عليّ بسؤال قائلة: هل أخبرك شيء دون أن تغضب؟ فأجبتها: طبعا. فقالت لماذا كل أغانيك التي تسمعنا إيّاها تبدو كما لو أعدت لترقص المرأة عليها بأسلوب رخيص؟! يومها صدمتني الفكرةّ وصدمني أن هذه الموسيقى يمكن أن تسمعها أذن غريبة هكذا؟! وأضاف: ما فاقم حديث تلك الفتاة، يومها أني ذهبت لحضور فيلم في السينما، ربما كان عنوانه "بيروت الغربية"، وفيه يضرب أب إبنه لسماعه موسيقى غربية اعتبرها بذيئة، وفي الفيلم يعلّق صديق ذلك الابن أنّ أغاني أم كلثوم التي يسمعها الأب مليئة بالجنس!!
وأضاف، ربما أيضا أنا مصاب بالإرهاق الجمالي، الذي تحدثت عنه الدكتورة سلمى الخضراء، وفقدت طعم الموسيقى، وفقدت طعم الطعام!! ولم أعد استمتع بشيء.
أجبته بسؤال: ولماذا كل هذا؟ ولماذا هذا الإجحاف، ليست كل موسيقى أم كلثوم وعبدالحليم من النوع الذي يعتمد على الإيقاع الراقص، الذي يبدو أنه أصبح لك موقف أيديولوجي منه. وحتى هذه الإيقاعات في كثير من الأحيان تأتي منسجمة مع السياق. وأضفت، تبدو قريبا من أدونيس ونبواءاته باندثار العرب، وكأننا لم ننجز شيئا في القرن الماضي!!
سكت وبعد أن توهجت السيجارة بين أصابعه وفي فمه، أجاب: ربما أنت السبب. ألست من أعطاني بحثه عن جورج لوكاش عن التشيؤ ؟ وألست من قدم لي مفهوم "الاغتراب" في علم الاجتماع، حيث الفرد يشعر بعجزه المطلق عن التأثير فيمن حوله؟ وألست من أوضح لي فكرة عجز العامل بحسب النظرية الماركسية عن اقتناء السلعة التي ينتجها؟. ألست أنت من أهديتني مجموعة صور لأحد الرسّامين تحت عنوان "التشيؤ"، حيث يتحول البشر إلى كراسي وطاولات وأشياء؟!
وأضاف بنوع من الغضب الهادئ، قل لي: ماذا أفعل وماذا تفعل أنت؟ وماذا فعلنا؟!
وأكمل: سأسألك، بشكل مباشر، أي الحركة القومية واليسارية والتقدمية العربية؟! أين المقاومة أين فتح؟ أين اليسار والشعبية؟ أين القوميين العرب؟ أين عبدالناصر، والبعث، أين شباب الإخوان؟! ماذا حققنا بعد كل هذه السنوات؟ ما هو نتيجة دماء كل هؤلاء الشهداء والأسرى والأرامل والأيتام والأسرى!!
أين صناعتنا؟ أين جامعاتنا؟! أين كتبنا؟!
بدأ البحث في أوراق مغلف سميك يحمله، ثم توقف، وضحك ضحكة، فيها نوع من الجذل، هل تذكر صديقتنا ابنة الجبهة الديمقراطية، التي أرسل لها أهلها من الإمارات معطف من الفرو، فباعته واشترط معطفا من "الباله" لأنّها مناضلة وتبرعت بالفرق لحزبها؟! وقال: هل تعرف أن لديها خمسة أولاد الآن!
عاد للبحث في مغلف سميك يحمله، وأخرج لي ورقتين مطبوعتين من موقع "بي بي سي" باللغة العربية، على الإنترنت، وقال هذا مقال عن فيلم إيليا سليمان الجديد عن حياتنا منذ النكبة الفلسطينية: "الزمن الباقي: سيرة الحاضر الغائب".
وذهب لنهاية المقال، قارئا ما كتبه أمير العمري، الذي وصف الفيلم، قائلا:
(لم يعد هناك سوى تعاقب الزمن.
ماذا تبقى من الزمن إذن قبل أن يصل الإنسان إلى نهاية الطريق!
هذا هو التساؤل الفلسفي الذي يتوقف أمامه إيليا سليمان…
إنه ينهي فيلمه وهو جالس فوق أريكة خشبية في الشارع، يتأمل دون أي انفعال. لقد فقد القدرة حتى على الانفعال مع ما يجري حوله.
الشباب الثلاثة أنفسهم مازالوا يجلسون على المقهى (ربما منذ ستين عاما!). شاب فلسطيني يسير أمامهم يرفع يده بعلامة النصر.
الثلاثة بملابسهم وهيئتهم والسجائر في أيديهم، يبدون كما لو كانوا شخصيات من عالم أفلام "الويسترن"، جامدون على الأريكة التي يجلسون فوقها، لا يتحركون بينما نستمع إلى إيقاعات عنيفة لأغنية عبرية!)
أوقف القراءة ونظر بجمود ثم بعيون أقرب للدمع: هذا أنا تعاقب للزمن…نار تأكلني من الداخل…وفي الخارج عدم قدرة أو عدم إيمان حتى بمجرد الانفعال.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إنسانيات, فلسطين | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “سيجارة مكسورة وتشيّؤ”

  1. يا لقسوة كلماته.. وطول صمتك!!!
    واقعنا مرهق بمصيبة التشيؤ، ولكن للأجيال حقا دائما في أن تبدأ الطريق منذ البداية، وتمارس حقها بالمرور بكل هذه المراحل، حتى تصل إلى هذا الحد من الشعور بالفقر واللاجدوى، ولكننا حين نفعل ما فعل صاحبك نصادر حق الأجيال القادمة في التجربة والحياة…
    لم يجانبه كلامه الصواب، ولكنه اقتنص بارقة أمل كانت تشرق في روحي بحثا عن غد أقل إيلاما، وأقرب إلى فجر طال شوقنا إليه.
    تحياتي

  2. كثير من أبناء شعبنا فعلا فقد قدرته على الاندهاش، حتى في أدق واصعب اللحظات ألا وهو الموت. فقد قدرته على الاستمتاع بضحكات الصغار ورقصات الكبار “ان رقصوا”، فقد شيئا غير ملموس في داخله، فقد “الأمل”. ولكن ما زال هنالك أجيال ناشئة وعيون ترقب المستقبل بشغف، مازال هناك أطفال يحلمون ومراهقين لا يتوقفون عن الحب، وشباب يناضلون من أجل مستقبلهم. دعونا لا نفقد الأمل رغم الآلام والجراح وفقدان قدرتنا على التأثير، فعلى الأقل لا نفقد قدرتنا على التأثر أيضا، لأنه حينها فعلا نصبح الشعب “الميت الحي”.
    انفث بسيجارتك في وجه الزمن واحرق كل الأوراق الصفراء ودع لهيبها يزيدك لهيبا.

  3. معك حق فكلماته عبرت عن الاغتراب وصمتي نوع من التأييد الضمني…
    عموما التشيؤ مرحلة عليا من الإحباط…قد يتوصل إلى الكآبة…ولكنها قد تكون القمة…أي التي يفيض بعدها الكأس ونخرج منه ونفيض، أو نصل مرحلة الانتفاض والانفجار (الإيجابي).



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر