الأردن وورثة زئيف جابتنوسكي
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 5 حزيران 2009 الساعة: 02:03 ص
http://www.alghad.jo/?article=13362
عبّر إسرائيليون في مناسبات عديدة عن شهوة أن يستيقظوا فيجدوا أنّ الفلسطينيين "تبخروا". عبّرت عن ذلك مقولة شهيرة تُنسَب لأول رئيس وزراء إسرائيلي؛ ديفيد بن غوريون: "كبارهم يموتون وصغارهم ينسون". وتعبّر عنها أمنية إسحق رابين الشهيرة أن يستيقظ وقد رأى غزة ابتلعها البحر. وفي ذات السياق يأتي مشروع عضو الكنيسيت الإسرائيلي أريه علداد، اعتبار "الأردن هي فلسطين".
هذا المشروع لم يبدأ بمقترح القانون الذي قدمه علداد للكنيسيت مؤخرا، ففي عام 2002 قام صهاينة بتوزيع منشورات على مسافرين فلسطينيين في محطة الحدود غربي النهر، تنصحهم بعدم العودة والبقاء في الأردن حيث يمكن أن "يتخلصوا من الاحتلال". وفي الفترة ذاتها وضعت يافطة في منطقة غور الأردن الفلسطينية، تشير باتجاه الأردن وكتب عليها "غاندي"، إشارة إلى اللقب الذي اشتهر به رحبعام زئيفي، مؤسس حزب "موليديت"، الذي قتلته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عام 2001، وتشير اليافطة على ما يبدو إلى ذات الاتجاه الذي كان يروج زئيفي أنّ الفلسطينيين يجب أن يتجهوا له.
يسعى علداد لوراثة زئيفي، الذي هو بدوره وريث الحاخام الذي قتل في نيويورك، عام 1990، مائير كاهانا، صاحب مشروع "إسرائيل العظمى"، وهم جميعا ورثة زعيم ما يعرف باسم "الاتجاه الصهيوني التنقيحي" زئيف جابتنوسكي، الذي أسس عام 1923 حزبا هدفه إقامة الدولة الصهيونية على ضفتي نهر الأردن. وقد كتب علداد في السنوات الماضية مقالات مطولة عدة، وتحدث في مقابلات مختلفة حول مشروعه "الترانسفير الطوعي" إلى الأردن.
سعيه لوراثة هؤلاء المتطرفين يمكن فهمه من واقع حياته الشخصية، فرغم أنّه جرّاح تجميل، وأتباعه يدّعون أنّه شخصية طبيّة مرموقة، (ولد عام 1950)، فإنّه يعيش أسير ذكرى والده إسرائيل علداد، عضو جماعة "ليحي" الإرهابية التي قتلت مندوب الأمم المتحدة، عام 1948، الكونت برنادوت، الذي طالب بانسحاب إسرائيل من القدس الغربية والنقب وفقا للقرارات الدوليّة. وقد قام علداد قبل أيام فقط بتوجيه التحية إلى قاتل برنادوت، يوشع زيتلر، بمناسبة وفاته.
يتحدث علداد عن والده، صاحب المؤلفات العديدة، بحنين كبير، ويقول: "علّمني (والدي) جيدا، وترك لي إرث حي حول ما يجب فعله"، ويعترف: (أفضل إطراء يوجه لي هو عندما يقترب من الناس بعد أن أنهي حديث ما ويقولون "أنت تذكرني بوالدك").
يعلن علداد باستمرار رؤيته أن انتشار الإسلام مشكلة كبرى، ويعلن سعيه إلى توحيد العالم على أساس العداء للحركات الإسلامية، وقد عمل في نهاية العام 2008 على تنظيم مؤتمر "عالمي" تحت اسم "مواجهة الجهاد" ودعا برلمانيين دوليين للاجتماع بهدف "مواجهة الأسلمة" في الغرب، وممن دعاهم للمؤتمر الهولندي جيرت ويلدرز، صاحب فيلم (فتنة) المعادي للمسلمين. رغم كل ذلك فإنّه يدّعي العلمانية وعندما سؤل عن سبب تأسيسه حزب جديد عام 2007، أجاب أنّ حزبه القديم – (موليديت)- أصبح حزبا دينيا بعد موت زئيفي وسيطرة الحاخامات عليه، وأنّ هذا يجعل اليهود الصهاينة غير المتدينين (الذين لا يرتدون القلنسوة) لا ينتخبون قائمة الاتحاد الوطني الانتخابية، تتشكل عادة من مجموعة أحزاب صهيونية، لذا أسس حزبه الجديد (الصهيوني القومي- هاتكفاه).
رغم هذه العلمانية المزعومة، يغلف علداد طروحاته بشأن الأردن بمزاعم دينية مفادها أنّ الله أعطى اليهود وعد بمملكة تمتد من النيل إلى البتراء، وأنّ تأسيس الأردن كان "خطئية". وبينما كتبت أميرة هاس، في هآريتس، عام 2003، تقول أنّ علداد قام بتطوير مقولات زئيفي حيث كان الأخير يطرح فكرة "الترانسفير الطوعي" للفلسطينيين، بينما يطرح علداد فكرة "الترانسفير المقبول"، والأول يبنى على قبول الفلسطينيين بالترحيل، وعلى تشجيعهم بوسائل مثل إيجاد فرص عمل لهم في الخارج، فإنّ الثاني يقوم على الاكتفاء بقبول المجتمع الدولي بذلك، فإنّ ما طرحه علداد في الأشهر الأخيرة لا يتضمن بالضرورة ترحيل قسري للفلسطينيين. فهو يطرح أنّ من لن يختار الرحيل من الفلسطينيين، سيبقى في مكانه، مع تصويته في "برلمان عمّان"، مع بقاء السيادة والسيطرة حصريّا للإسرائيليين. ويطرح علداد تفاصيل فكرة برنامج دولي واسع لتحلية المياه، وللطاقة، والإسكان، في الأردن لجعله جذّابا للفلسطينيين ليهاجروا.
تَحرُك علداد في هذا الوقت بالذات في الكنيسيت يأتي لأسباب عدّة أهمها، الشعور بالضيق أمام موقف الإدارة الأميركية الرافض للاستيطان، والضيق من تحركات الملك عبدالله الثاني دوليّا لدفع حل الدولتين إلى الأمام. واستعراض تعليقات مئات القراء في صحيفتي هآريتس وجيروزالم بوست على طروحات علداد، يَكشف مدى ضيق الشارع الإسرائيلي بموقفي أوباما والملك عبدالله.
ربما يمثل علداد حالة معزولة وهامشيّة لا تخلو من عقد نفسيّة، ولكن الخطورة أنّ الحكومات الإسرائيلية منذ العام 2002 أبدت تساهلا إضافيّا في السماح بترويج وجهة نظر أصحاب مشاريع "الترانفسير"، ومن ذلك مثلا تنظيم حفلات تأبين لزئيفي في المدارس الحكومية تُعرض فيه وجهات نظره . كما أنّه يوجد لعلداد حلفاء أقوياء في المؤسسة الحاكمة من مثل تحالفه مع الوزير موشيه يعالون الذي يشاركه في التظاهرات الرافضة لتفكيك الاستيطان العشوائي. وتتصاعد قوة علداد الداعي إلى العنف والعصيان المدني ضد تفكيك الاستيطان، فقد انتخب للكنيسيت عام 2003، وأعيد انتخابه عامي 2006 و 2009، وأسس حزبه عام 2007. وقد ارتفع تمثيل المؤيدين بوضوح لفكرة التهجير في الكنيسيت من مقعد واحد نهاية الثمانينيات إلى ما لا يقل عن أربعة مقاعد الآن. من هنا فإنّ التصدي لأمثال علداد سياسيّا ضرورية ليس بسبب نوعيّة طروحاته، بل لأنّ هذه الطروحات تساعد على تصاعد التطرف وتمّهد لجرائم حرب جديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الأردن - سياسة, الأردن- هوية, غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























