الحجاب والليبرالية والعلمانية

كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 31 أيار 2009 الساعة: 13:42 م

 

http://www.alghad.jo/index.php?article=13302
وصلتني قبل أيّام رسالة في البريد الإلكتروني تتحدث عن أن وزير الداخلية الإيطالي "جوليانو أماتو" أعلن أنه لا يمكنه معارضة ارتداء المرأة المسلمة في بلاده للحجاب، وذلك لسبب واضح وبسيط وهو أن السيدة مريم العذراء والدة الرسول عيسى عليه السلام كانت تضع الحجاب على رأسها أيضا. بطبيعة الحال أماتو لم يعد وزيرا للداخلية في إيطاليا منذ أكثر من عام، لذلك كان واضحا أنّ الخبر غير دقيق، أو قديم، وهو على الأغلب إشارة إلى تصريح أماتو عام 2007 أنّه إذا ما قرر منع الحجاب فلا بد من منعه بشكل تام، بما في ذلك منع الراهبات والممرضات في المستشفيات من ارتداء الحجاب.
بغض النظر عن دقة الرواية وعن حقيقة وجود "علمانيين" ممن يطالبون فعلا بمنع حجاب الراهبات، كما جاء في الرسالة، وبإعادة رسم اللوحات التقليدية للسيدة مريم والراهبات دون حجاب، فإنّ الرسالة المذكورة، هي مجرد تعبير عن اعتقادات شائعة، بأنّ العلمانية تعني رفض الحجاب. والواقع أنّ الموقف من الحجاب يحتاج للتفريق بين ثلاث مواقف، هي اللبرالية، والعلمانية، والأصولية.
فالعلماني قد يكون مؤمن، وحتى متديّن. فالعلمانية لا علاقة لها بالحجاب أو بممارسات الحياة اليومية الشخصية في اللباس والطعام والشراب، وليست بأي حال من الأحول فصل الدين عن الحياة، كما قيل للكثيرين منّا أثناء سنوات الجلوس في المدارس، وهي ليست فصل الدين عن الدولة، كما يعتقد كثيرون، بل هي ببساطة فصل رجل الدين عن الدولة، ومنع تحول رجل الدين إلى مصدر تشريع، أو إعطائه سلطة حصريّة، لشخصه، في تفسير الشريعة، فعضو المجلس التشريعي  (البرلمان)، قد تكون مرجعيته دينية، ولكن على أن تكون مرجعيّة شخصيّة، تقوم على فهمه واجتهاده هو، وليس أن ينتظر الموقف من لجنة إفتاء حزبية، أو من "شيخ" أو "مرجعية"، بل أن يجتهد هو باستقلالية، دون أن يعني هذا أيضا أنّه لا يمكنه التشاور والنقاش مع كثيرين في الفهم الديني للمسائل المختلفة. والعلمانية هي أيضا فصل الدين عن المال، فلا يعود الموقع الديني سببا للنجومية والحصول على الثروة والمنصب.
في حالة الحجاب فإنّ ما يحصل في حالات منها ربما إيطاليا وفرنسا وتونس، وبالتأكيد تركيا، هي موقف "معادي للدين"، وموقف "علماني غير لبرالي"، فيه قدر كبير من الفاشستية، التي تقوم على إجبار الآخرين على تبني خيار معيّن. وفي ذات هذا السياق اللاديني الديكتاتوري. ولكن مقابل هؤلاء هناك أيضا المنهج "الطالباني" ومنهج فئات تدّعي أنّ الإسلام حدد مقاييس، وربما ألوان معينة، للحجاب ويتم فرضها بالقوة وربما يتم قتل من لا تلتزم بها. (نكاد لا نعرف إذا كان هناك من يدّعي أنّ هناك عقوبة مذكورة في النصوص الشرعية بوضوح لمن لا تتبنى الحجاب). وفي أفضل الأحول يتبنى البعض موقف سلبي ماديّا ومعنويّا من غير المحجبة. كما أنّ كثيرا من التطبيقات الخاصة بالملابس قد تبدو غير مألوفة لكثيرين، ففي إيران مثلا يمنع الذكور في الجامعات لبس ألوان معينة، (كاللون الوردي كما ذكر لي بعض من درس هناك). كما أنّ الجلباب بمفهومه الإخواني، والشادور الأزرق بشكله الأفغاني أنماط من الثياب ليست معروفة تاريخياً حتى نقول إنّها عودة للأصول، بل هي نتاج رؤية أمير أو شخصية دينية ما للباس الشرعي.
ويمكن الإضافة لهؤلاء بعض الرأسماليين، ممن قد يحوّلون المرأة (والرجل) إلى سلعة فيرفضون الحجاب لأبعاد تجارية بحتة. تماما مثلما قد يقوم رأسماليون إسلاميّون وتجّار في الزي الشرعي وغيره بتشجيع الحجاب والدعاية له لأسباب لا تخلو من أهداف مادية.
موقف إسلاميي تركيا يمثل الموقف اللبرالي في وسط كل هذه المواقف. ونذكر في العام الماضي، أنّ مشروع حزب العدالة والتنمية التركي للسماح بارتداء الحجاب في الجامعات، كان بصيغة يصعب على أي شخص لديه الحد الأدنى من احترام الحريات الشخصية أن يعارضها، فقد نصّ التعديل الدستوري الذي أقره البرلمان التركي وقتها، أنّه "لا يمكن حرمان أحد من حقه في التعليم العالي"، وهكذا فالنص لم يذكر الحجاب صراحة، وهو يمكن أن يفسَّر لصالح السفور، كما يمكن أن يفسر لصالح الحجاب، مما يجعل النص انتصاراً للبرالية، باعتبارها حرية الفرد الشخصية، في التفكير والاختيار، فلن يأتي شخص ليمنع سافرة يوما من دخول الجامعة، مثلما لن يمنع محجبة.
القضية إذا ليست قضية علمانية وتديّن، بقدر ما هي قضيّة محاولة مصادرة حق الشخص في الاختيار، وفرض نمط معين عليه. والشخص اللبرالي الحقيقي (غير المتدين أو المتديّن) سيحترم المرأة وحقها في اختيار الحجاب أو عدم اختياره، ولن يؤثر ذلك على نظرته لها، سواء أكان مقتنعا هو بالحجاب أم لا.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الإسلام السياسي, الإصلاح السياسي, المرأة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الحجاب والليبرالية والعلمانية”

  1. المشكلة ليست في كون الليبرالية كنظام تمنح الشخص حرية الاختيار والمسؤولية عن اختياره، كما أنها ليست في كون العلمانية إقصاءً لسلطة الدين عن الدولة، المشكلة فيمن يدعي العلمانية ومن يدعي اللليبرالية. وحتى فيمن يدعي التدين، المشكلة أن هؤلاء جميعا يمارسون وصاية مقيتة على عقل الآخر! ولست أدري ما هو هوس الوصاية الذي يصيب البشر ما إن يعتنقوا فكرا معينا، ولا أعتقد محاولة فرض الوصاية هذه حبا لهذا الفكر أو محاولة لجذب الآخرين إليه، فطريقة كهذه لا تجذب إلا سفهاء الفكر.
    إيماني الكبير بأن الليبرالية حرية بمعنى الحرية الحقيقية، والتي تحترم في الوقت ذاته حرية الآخر، ولا تتعارض مع ثوابت وقيم أصيلة اعتاد عليها مجتمع ما، لم يسعفني مع شخص ليبرالي هاجم حجابي، وقال بأن سلطة الدين لا يمكن أن تلتقي مع حرية الليبرالية اللامحدودة، فقلت له يومها فلتتعلم الليبرالية أولا ثم “تلبرن”. مع أن معرفة بالليبرالية قد تكون كمعرفة جدتي بالصينية!!

    كما أن فهمي العميق لأن الدين ليس حكرا على شكل أو ممارسة معينة يقوم بها قوم دون آخرين، وليس تطبيقا جامدا جافا لنصوص المصادر الشرعية، بالرغم من نصوص أخرى كثيرة لدى نفس المصادر تمنح المرء فسحة كبيرة لاختيار الأنسب والأسلم لحالته بينهما، إلا أن هذا لم يسعفني أيضاأمام شخص هاجمني بشدة لأنني أسافر بغير محرم!!!
    وبالرغم من أنني أحلته إلى أسماء أشخاص كبار ومعروفين ومن نفس تنظيمه الفكري أباحوا هذا الأمر، إلا أنه أصر على تصنيفي بالخارجة على حدود الله، فضحكت يومها وسألته إن كان الله عز وجل أو نبيه صلى الله عليه وسلم قد انتدبه لتصنيف الداخل والخارج من دين الله!!!
    وقلت له أيضا يومهاإفهم الدين أولا ثم “تدين”!

    في الجامعة اختلفت مع أحد الأساتذة المتدينين لأنه أحرج فتاة غير محجبة لدرجة أنها بكت أمام الطلبة، وبالرغم من أن الطالبة هي التي استفزت المدرس بتصرف غير لائق، إلا أنه عندما هاجمها تحدث بشكل مباشر عن لباسها، الذي أعتقد أن لا علاقة له بتصرفها ذلك، أثر في الموقف جدا، وقلت له لا أعتقد أن هذه طريقة الإسلام في احترام الآخر، ولا أعتقد أن الله ينظر إلى صورنا وأشكالنا بقدر ما ينظر إلى ما في قلوبنا، وبأن طريقته هذه تعتبر تمييزا، وبأنني كمحجبة تعرضت لذات الموقف بسبب حجابي فآلمني ذلك جدا. وقلت له يومها بحرقة ورغبة حقيقية في سماع إجابة تروي ظمأي: متى ستطبقون أنتم ما تقرؤنه على رؤسنا كل محاضرة آلالاف المرات من استيعاب الآخر وتقبله كما هو بدون شروط!!
    وبالطبع كان هذا سببا في عداء مقيم بيني وبين ذلك المدرس، الذي كان يَفترض (هو) أن أقف في صفه كوني محجبة!!

    شخصيا لا أعتقد أن هناك دينا أو منهجا فكريا دعا أتباعه للتفكير، والتأمل، والفهم، ومقاربة المصلحة واللين مع النفس والآخر كما فعل الإسلام، ويا له من دين لو أن له رجال!

    وينطلق الكلام ذاته على الليبرالية والعلمانية.
    تحياتي لك د. أحمد

  2. أتفق معك ألف بالمئة. وجوهر اللبرالية أن لا تكون وصيّا على أحد…دون أن يعني هذا أن لا تهتم لشأنه. طبعا التطبيق الغربي للبرالية فيه انحرافات كثيرة…مثلا أهم مفكري اللبرالية الكلاسكيين في أوروبا برروا الاستعمار باسم نشر قيم الحرية اللبرالية…
    تماما كما يتحول المتدينون في كل العالم للقتل باسم العدالة والإيمان…يتحول اللبراليون للعنف باسم نشر الحرية!!! هي ظاهرة إنسانية تستحق النقاش أكثر…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر