كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 12 أغسطس 2008
الساعة: 04:38 ص
الغد12/8/2008
قام أحد الأساتذة في أحد مدرجات الجامعة الأردنية بالحديث مطولا منتقدا عهد الرئيس المصري السابق، جمال عبدالناصر، وكيف أنّه أتى (بحسب رأيه) بويلات على الأمة العربية، ويبدو أن حيادية الطلاب والطالبات أثناء الاستماع لحديثه، ومحدودية تفاعلهم سلبا أو إيجابا لم يرض طموحه، فتوقف عن حديثه وقال وهو يوقف مشروع ضحكة: أنا لو قلت ما قلت قبل عشرين عاما لقذفني الطلاب بالزجاجات الفارغة وطردوني من القاعة، فقد كان التأييد الشعبي للناصريّة هائلا. وربما فات هذا الأستاذ القريب من التيار الإسلامي أنّ أغلب طلبته لم يكن قد ولد يوم كان الحديث عن عبدالناصر يختلط بالعاطفة. أتذكر هذه القصة التي حدثت منذ نحو 20 عاما، عندما أقرأ ردود الفعل الغاضبة على مقالات ناقدة لحزب الله أو لحركة حماس. وتذكرني هذه الردود بقصتين أخريتان أولهما، قيام أحد الشباب، عام 1991، بإنزال خطيب الجمعة من على منبر المسجد في مخيم الوحدات لأنّه تجرأ على انتقاد صدّام حسين والتشكيك بتدينه. كما يذكرني بندوة أدرتها في الجامعة الأردنية في العام ذاته، وكان المتحدثين خبير عسكري سابق قريب للتيار القومي العروبي، وأستاذ إسلامي في الحرب النفسية، وكيف رد الثاني على سؤال للجمهور: كيف نؤيد صدام حسين وهو اشتراكي؟ بالقول: ليس هذا وقت مثل هذه الأسئلة فهي تهبط المعنويات وتفرق الصفوف. أمّا الخبير العسكري فعندما سألته في الكواليس بعد المحاضرة: كيف يمكن أن نتوقع كسب العراق الحرب ضد قوى التحالف رغم تباين القوة العسكرية، فرد بأنّ السؤال صحيح، ولكن يصعب مناقشته أمام الناس، وأنّ الرهان هو على عدم وقوع الحرب أو وقوع أخطاء معنية، وعلى العنصر البشري.
بشكل عام يخاطر أي كاتب أو متحدث إذا ما فكر في انتقاد المقاومة أو الحركات ذات الشعبية الطاغية في لحظة ما، بل وحتى إذا قام بالتفكير بعقلانية أو بحيادية، فعندما يشتد الاستقطاب وفي مراحل التحولات السياسية، يصبح الحياد مرفوضا ناهيك عن تبني وجهة نظر أخرى. هناك آليّات للدفاع النفسي يتبناها الأشخاص أمام التناقض النفسي والفكري الذي يصدمهم، فمثلا أمام ما يحدث في قطاع غزة من سياسات تقوم بها حركة حماس، أو ما حدث من حزب الله في بيروت، هناك ردود فعلية يعرفها المختصون في علم النفس الاجتماعي عن ظهر قلب، ضمن دراستهم ما يعرف باسم التنافر المعرفي، ففي هذه الحالة يتم اللجوء لآليات دفاع نفسية منها:
- استراتيجية التصنيف: فيتم التشكيك في مصادر المعلومات والتحليلات، ويتم تصنيف الكاتب والصحيفة ومحطة التلفزيون، وغيرها باعتبارها غير موضوعية ومأجورة لها مصالح خاصة، ويخدمون أجندات الأعداء والفاسدين.
- إضافة عنصر معرفي: أي القول بأنّ هناك ظروف خاصة وسياق محدد على الأرض غير واضح للكل، هو الذي يبرر ويفسّر ما يحدث، وأنّ البعيدين عن الميدان لا يدركون حقيقة ما يحصل.
- الاعتماد على النوايا: أي التركيز على سلامة نية وإخلاص من يتم الدفاع عنهم والتحزّب لهم، وتذكر تضحياتهم وتضحيات عائلاتهم، واعتبار أنّهم أشخاص لا يرقى لهم الشك ولا يجوز انتقادهم.
- المقارنة مع الأسوأ: أي البحث عن الخصوم الأسوأ والأكثر خطأ، والمتورطين بالفساد، وبالتالي التأكيد على أنّ من يتم الدفاع عنهم هم أفضل البدائل الممكنة وأنّ انتقاد المقاومة هو دفاع عن الفاسدين.
- الضرورات تبيح المحذورات: أي القول بأنّ ما يحدث مرحلة عابرة بسبب ظروف خاصة، أمّا مجمل الحركة فستمضي في الاتجاه السليم.
أحد الأسباب التي تجعل انتقاد حركات المقاومة غير مقبول، هو أنّ النقد يأتي أحيانا من قبل من لا يحق له الانتقاد، وتحديدا من النظام العربي الرسمي، الذي عجز عن معالجة قضايا الاحتلال والعدوان التي بررت بدورها ظهور المقاومة، وظهور التسليم شبه الأعمى بما تفعله. ومن هنا يجب التفرقة بين النقد الذي تمارسه الأنظمة والفئات التي لها صراعات مذهبية وطائفية ومصلحيّة مع المقاومة، وبين النقد الموضوعي، ولكن في الوقت ذاته لا يجوز أبدا أن يصبح النقد مرفوضا بالمطلق، فإذا كانت أخطاء حماس مثلا لا تلغي الأخطاء وربما الخطايا التي قامت بها حركة فتح، فإنّ ذلك لا يبرر رفض انتقاد المقاومة أو الاستنكاف عنه كليّا. فالأخطاء والهنات إذا ما تم السكوت عنها تحولت لفساد وخطايا، وهذا ما حدث مع حركات تحرير كثيرة حول العالم سابقا، ومنها منظمة التحرير الفلسطينية، وهناك قواعد عامة لتقييم أداء المقاومة وللعمل السياسي، فمثلا تقييم الجدوى لفعل مقاوم ما، عسكريّا أو سياسيّا، خاضع لتقييمات عملية يمكن للباحث والدارس والسياسي والمحلل الموضوعي أن يدرسها، ومن واجبه وحقه طرح وجهة نظره في الأمر، لأنّ هذا عمله، فمثلا تقييم العمليات الاستشهادية وإطلاق الصواريخ من غزة على المستوطنات الإسرائيلية، أمران خاضعان لتحليلات مختلفة، والدليل أنّ حماس غيرت من تقييمها لهذه العمليات وجدوى استخدامها بتغير الظروف. كما أن أداء حزب الله بمواجهة إسرائيل لا يبرر السكوت عن سياساته الداخلية في لبنان، وقبول التهم التي يكيلها لخصومه دون أدلة، كما لا تبرر الشعارات التي ترفعها دول ما يعرف بالممانعة، غض النظر عن استغلال قضايا الاحتلال والمقاومة لتحقيق مصالح ضيقة لأنظمة هذه الدول. ولحكم القانون قواعد لا يجوز خرقها، سواء قام بذلك فتح أم حماس . وبالنهاية النقد لا يعني الإدانة دائما، والنقد واجب أحيانا ومن يستنكف عنه يهرب من مواجهة الواقع ويؤثر السلامة أمام ردود الفعل العاطفية ضده، ويرضى بتحقيق الشعبية والإشادة على حساب الموضوعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
فلسطين,
لبنان |
السمات:
فلسطين,
لبنان
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج