جون مكين ورابطة الديمقراطيات
كتبهاأحمد جميل عزم - aj.azem@gmail.com ، في 1 أغسطس 2008 الساعة: 05:19 ص
الغد 1/8/2008
http://www.alghad.jo/?article=9899
يطرح مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية جون مكين منذ عام على الأقل فكرة إنشاء “رابطة الديمقراطيات”، لتجمع الدول الديمقراطية، ويقوم باستمرار بتطوير هذه الفكرة ونشر مقالات والإدلاء بتصريحات حولها، ويعد أن ينجز قمة للدول الديمقراطية خلال عام واحد من توليه الرئاسة، ويشير للدول الأوروبية باعتبارها الحليف الديمقراطي للولايات المتحدة، وتتضمن الفكرة أن تبني هذه الرابطة قدرات تدخل عسكري مشتركة، وتطوير قدرات عمل مدنية مشتركة على الساحة الدولية، بهدف التدخل الإنساني، في دول تعاني مشكلات، مثل الإيدز في إفريقيا، ودارفور في السودان، والمساعدات الإنسانية في بورما، ويضيف لها مشكلة إيران، وستتحرك هذه الرابطة بشكل أساسي عندما تفشل الأمم المتحدة، في التحرك، بسبب دول مثل الصين وروسيا.
ولا ينفرد مكين بهذه النظرية، ومن ضمن من تبناها المترشح السابق لحيازة بطاقة الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية رودلف جولياني، وروبرت كيغان أحد منظري المحافظين الجدد، ومستشار مكين، الذي أصدر مؤخرا كتاب بعنوان “ «عودة التاريخ ونهاية الأحلام»، ويشرح فيه فكرة هذه الرابطة. (أنظر مقالي خالد الحروب عن الكتاب في صحيفة الحياة)، وفي معرض تسويق الفكرة يشير معسكر مكين، إلى أنّ الفكرة نشأت في أوساط الحزب الديمقراطي، ويشيرون إلى أنّ مادلين أولبراليت، وزيرة خارجية الرئيس السابق بيل كلينتون، أوجدت عام 2000، ما يعرف باسم “مجتمع الديمقراطيات”، ولكنهم ينتقدون ضمها عدد كبير من الدول غير الديمقراطية، مثل الأردن، وأذربيجان، ومصر. ويشيرون إلى أنّ باحثين في جامعة برينستون اقترحوا فكرة شبيهة، هي فكرة “حفلة الديمقراطية”، وبعض هؤلاء مرشحون للعب دور في الإدارة الأميركية إذا فاز المرشح الديمقراطي باراك أوباما، وممن أيد فكرة “الحفلة الديمقراطية”، من يعمل الآن مستشارا لدى أوباما من مثل آيفو دالدر، وأنتوني ليك.
وواقع الأمر أنّ فكرة الديمقراطيين عن “مجتمع” أو “حفلة” الديمقراطيات أقرب للدعوة للتشاور ونشر الديمقراطية بطريقة الحوار. أمّا فكرة مكين ومساعديه، فهي خطة إنقاذ لأطروحات المحافظين الجدد، ولعل هذا ما يوضح تبني أكثر من مرشح جمهوري لها. وفكرة الربط بين الديمقراطية والحرب والسلام، فكرة تقليدية في العلاقات الدولية، تم توظيفها من قبل اليمين الأميركي والإسرائيلي في السنوات الأخيرة. فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، سبّاقا، أواسط التسعينيات، في كتابه الذي ترجم إلى العربية بأكثر من عنوان، أحدها “مكان بين الأمم”، و”مكان تحت الشمس”، بالإشارة لأهمية رسم العلاقات الدولية على أساس ديمقراطية الدول، وكان هدف نتنياهو هو الهروب من عمليّة السلام، بالقول إنّ الحل لمشكلة الصراع العربي الإسرائيلي، هي تحول الدول العربية إلى دول ديمقراطية وهذا سيأتي بالسلام لأنّ الديمقراطيات لا تتقاتل. وأشاد الرئيس الأميركي الحالي، جورج بوش، قبل أقل من أربع سنوات بكتاب الوزير الإسرائيلي السابق ناتان شارنسكي، حول ذات الموضوع، أي: السلام عبر الديمقراطية. وكانت إحدى الأفكار الأساسية لدى المحافظين الجدد، التي تمت محاولة تطبيقها في عهد بوش الراهن، فكرة “الحرب لنشر الديمقراطية”, بحيث تحولت قاعدة “الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها” ذريعة لتبرير الحرب. ولكن هذا المبدأ فشل في العراق، كما أدت الانتخابات في أكثر من دولة شرق أوسطية إلى صعود قوى مناهضة للولايات المتحدة، وبالتالي تم التراجع عن الدعوة للديمقراطية.
فكرة مكين ومستشاريه محاولة لإنقاذ أفكار المحافظين الجدد حول قضايا الديمقراطية وأهمية تغيير الأنظمة الدكتاتورية، وتهميش الأمم المتحدة، مع إدخال تعديلات عليها. على أنّ هذا الربط بين الديمقراطية وقضايا مثل مكافحة الإيدز، وبورما، ودارفور لا يبدو مقنعا، وتبدو غطاءا للتدخل في مناطق وقضايا أخرى، مثل إيران وغيرها، إضافة لتنسيق المواجهة في الخلافات ضد دول مثل روسيا والصين. إذ أنّه يمكن في كثير من الحالات التعاون مع دول غير ديمقراطية بكثير من القضايا التي يتم الادعاء بأنّ الرابطة قامت لأجلها. كما أنّ فكرة أنّ القيم الديمقراطية المشتركة ستؤدي تحرك مشترك سياسيّا مستبعدة، وفي حالة حدث التفاهم مع أوروبا ودول أخرى، كما حدث في حالة كوسوفو نهاية التعسينيات، أو كما حدث في حالة أفغانستان منذ العام 2001، يمكن أن يحدث التحرك المشترك، عسكريا وسياسيا، بينما لن يحدث ذلك إذا لم يتم التفاهم سياسيا، كما حدث في حالة العراق مثلا.
مثل هذه الأفكار تنبئ أننا سنعيش مجددا، فيما لو فاز مكين، عصر السياسة المغطاة بالأيديولوجيا، وسنعيش نظريات جديدة من تقسيم العالم على أساس القيم الثقافية، ولكن بدل الدعوات لنشر الديمقراطية، بواسطة الدبلوماسية الشعبية وغيرها، سيكون هناك تبريرات للتدخل العسكري والسياسي باسم الديمقراطية، وباستخدام “الحق الديمقراطي” في التدخل، على اعتبار أنّ الولايات المتحدة وأوروبا تمتلك تميزا أخلاقيا وثقافيا، يبرر تدخلها، باسم حقوق الإنسان، وهو طرح قريب مما يشيع في خطاب المحافظين الجدد، وما يسميه البعض، منهم، باسم “الهيمنة الأمريكية الرحيمة”. وهذا التدخل سيكون غالبا نوع من الدفاع عن المصالح عندما تتعرض للتهديد من قوة صاعدة. وبما أنّ هذه الأفكار لا تمتلك الكثير من فرص النجاح، خاصة بسبب عدم وجود مؤشرات لقبول أوروبا بها، فإننا على الأغلب سنعيش، مرحلة أخرى من فشل وعجز السياسة الأميركية، كالتي رأيناه في السنوات السابقة، وبما يؤدي أيضا لفشل في النظام الدولي، وإعاقة إصلاحه.
أمّا في حالة خسارة مكين، وفوز منافسه باراك أوباما، فعلى الأغلب ستكون مثل هذه الأفكار جزءا من الخطاب والأفكار التي سيسعى المحافظون الجدد في مراكز الأبحاث والمجلات وأوساط الحزب الجمهوري، لتطويرها استعدادا للعودة للحكم متى استطاعوا إيصال مرشح يتوافق معهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نظرية علاقات دولية | السمات:نظرية علاقات دولية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























